فوزي سليمان يسأل:

لماذا كان احتفال مهرجان القاهرة باليوم العالمي لحقوق الإنسان.. هامشيا؟

في 10 ديسمبر 1948، بعد ثلاث سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية وما قاسته البشرية فيها من مآس، أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة إعلان حقوق الإنسان مؤكد حق الجميع في الحريات السياسية والدينية، وتحقيق العدالة والأمن، وعدم التمييز بسبب الجنس أو العقيدة، إلي آخر هذه المبادئ التي تؤكد علي حرية وكرامة الإنسان، ومع استمرار المعاناة والعدوان.. في أكثر من مكان في العالم.. من فيتنام إلي جنوب إفريقيا.. إلي فلسطين ومؤخرا العراق.. وقفت منظمات حقوق الإنسان سواء تابعة للأمم المتحدة أو كيانات حرة أهلية.. تدين العدوان بالكلمة وبالمظاهرات، ولم تكن السينما بعيدة فقد قام سينمائيون من مختلف بلاد العالم بالكشف عن انتهاكات الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام وتورطها في الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية، وتعرية الوجه البغيض لنظام الحكم العنصري في جنوب إفريقيا والدفاع عن حقوق الإقليات وإدانة الاحتلال الصهيوني في فلسطين.

وتأسس أكثر من مهرجان دولي لأفلام حقوق الإنسان، وفي سويسرا ـ وهي بلد محايد ـ تأسس مهرجان جنيف وبقربها في القسم الإيطالي بمهرجان «لوكارنو السينمائي الدولي» أقيم قسم خاص عام 2003 لأفلام حقوق الإنسان، وأصبح له عام 2004 لجنة تحكيم دولية تمنح جائزة لأحسن فيلم. وافتتح بفيلم «باب الشمس» للمخرج المصري يسري نصرالله وهو إنتاج مشترك بين فرنسا ومصر والمغرب وسوريا 2004 مدته ساعتان و48 دقيقة، يتناول القضية الفلسطينية عبر نصف قرن وما تعرض له الفلسطينيون من عدوان، وتهجير ودور المقاومة وذلك خلال قصة حب إنسانية بين مناضل فلسطيني وحبيبته ـ زوجته ـ في الأرض المحتلة وأحداثه يطول شرحها وسيكون حدثا مهما حينما يعرض قريبا علي شاشات القاهرة.

وقد انبثت أفلام حول حقوق الإنسان في مختلف البرامج ففي المسابقة الرسمية ثلاثة أفلام.. لعل أهمها فيلم «الغفران» من جنوب إفريقيا إنتاج عام 2004، وهو الفيلم الأول للمخرج إيان جابرييل لأنه يراجع الماضي ـ النظام العنصري ـ بعد عشر سنوات من التحرر من خلال محاولة ضابط سابق يثقله ضميره ويسعي إلي التوبة والمصالحة ومن خلال لقائه بأسرة أحد ضحاياه وهو الفيلم الفائز بجائزة حقوق الإنسان. الفيلم الإيطالي «خصوصية» إخراج سافيربو كوستانزو يعاضض القضية الفلسطينية في تصويره لاحتلال قوة إسرائيلية للدور الأعلي لبيت أستاذ فلسطيني للأدب الإنجليزي محمد بكري وجسد جو الاختناق الذي واجهته الأسرة، وقد فاز بالجائزة الكبري للمهرجان، وكان مفروضا أن يعرض بالدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة وعرض فيديو فعلا علي لجنة المشاهدة.

الفيلم الثالث أقل قيمة لأنه يركز علي أحداث العنف وتحقيقات البوليس، وهو الفيلم الهندي «يوم الجمعة الأسود» إخراج أنوراج كاشياب 2004.

خارج المسابقة ـ في عروض الساحة الكبري ـ الفيلم الإسرائيلي «العروس السورية» إخراج إيران ريكلبس عن العقبات في وجه زفاف فتاة فلسطينية من الجولان المحتلة، إلي خطيبها السوري، بسبب مشاكل الجوازات عند الحدود.

بقصد تزمت الجانب السوري.. فاز الفيلم بجائزة الجمهور بالمهرجان، وعرض مؤخرا في مهرجان مراكش بالمغرب بحضور المخرج. في قسم خاص عرضت شرائط فيديو عديدة من بينها «نيلسون مانديلا المتهم رقم 1» إخراج باسكال لامش من جنوب إفريقيا عن تاريخ الكفاح ضد التفرقة العنصرية علي يد حزب المؤتمر، مع تركيز علي سجن مانديلا ورفاقه.

ويتناول شريط الخمير الحمر «آلة الموت» مشترك بين فرنسا وكوريا إخراج ريني بانه ،من كمبوديا 2003 ما حدث من مذابح علي يد الخمير الحمر في كمبوديا بين 1975 و1979 والقضاء علي حياة نحو مليونين من السكان المخرج نفسه كان قد اعتقل في معسكرات الخمير وهرب إلي تايلاند. ضمت مكتبة الفيديو التي أقبل كثيرون علي مشاهدة شرائطها أفلام «أحلام في المنفي» «فلسطيني ـ أمريكي» 2001، و«أطفال شاتيلا» فلسطيني ـ لبناني 1998، و«أبناء النار» فلسطيني ـ 1995، كلها من إخراج مي المصري. في شهر مايو الماضي عرض كاتب هذه السطور فكرة احتفال مهرجان القاهرة باليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يتصادف مع موعد المهرجان في شهر ديسمبر، وقدم ملفا لنماذج من أفلام مهرجانات حقوق الإنسان في العالم وقبل بداية المهرجان نوقشت الفكرة بوجود رئيس المهرجان شريف الشوباشي والسيدة سهير عبدالقادر نائب الرئيس ويوسف شريف رزق الله المدير الفني وأحمد رأفت بهجت من أعضاء اللجنة الفنية وتحمس الشوباشي للفكرة واقترح دعوة الدكتور بطرس بطرس غالي رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، لندوة السينمائيين أصحاب الأفلام التي تتناول حقوق الإنسان.

ولحسن الحظ توفرت فعلا نخبة من الأفلام تتناول قضايا حقوق الإنسان في مختلف برامج المهرجان، ففي المسابقة الرسمية يبرز الفيلم المغربي «ذاكرة معتقلة» إخراج جيلالي فرحاتي الذي يتناول فترة الاعتقالات السياسية بالمغرب في السبعينيات وذلك من خلال محاولة معتقل يخرج من السجن تذكر الماضي عن طريق الأشياء والأحاسيس والأماكن أما فيلم «درب مولاي الشريف» أو «الغرفة السوادء» إخراج حسن بن جلون الذي عرض في قسم «السينما العربية الجديدة» فهو أكثر مباشرة في تعرضه لوسائل التعذيب والإكراه والجلسات الكهربائية يدور.. في نفس فترة فيلم «ذاكرة معتقلة» السبعينيات مع توثيق في نهاية الفيلم لأسماء حقيقية من المعتقلين السياسين الذين غيبوا وراء الشمس ولا يعرف أحد مصيرهم، أو الذين أطلق سراحهم وفي فيلم مغربي ثالث «جوهرة» إخراج سعد شرابي تستعار نفس الفترة من خلال تذكر فتاة لقصة اعتقال والديها من أعضاء فرقة مسرحية، وفي قسم كلاسيكيات السينما الإيطالية عرض فيلم «ساكو وفانزيتي» الذي أخرجه جوليانو مونتالدو عام 1971 ويعتبر من أهم الأفلام السياسية، حيث اتهم ظلما عام 1927 مهاجران إيطاليان، بقتل اثنين من حرس البنوك بمدينة بوسطن، وتبين بعد عشر سنوات سجن أن القاتل الحقيقي شخص آخر، واعتبرا شهيدين ضحية عدم العدالة.

فيلم سياسي مهم آخر في نفس البرنامج هو «قضية ماتينه» إخراج فرنشسكو روزني 1972 عن مصرع أحد كبار رجال الصناعة في حادث طائرة صغيرة، بخلفية سياسية حول مواقفه السابقة، ولكن ما حدث فعلا.. قبل الندوة الصحفية التي أعقبت فيلم «ذاكرة معتقلة» أشير إلي أنه يأتي في إطار اهتمام مهرجان القاهرة بقضية حقوق الإنسان، وأعلن المركز الصحفي برئاسة الناقد مجدي الطيب في منشور علق للصحافة، وأشارت إحدي الصحف اليومية الجديدة إليه باختصار.

لم تقم ندوة أو مائدة مستديرية تضم صناع الأفلام وهم نقاد ومهتمون بحقوق الإنسان من النقاد والمثقفين والمفكرين، ودعنا نأمل في الدورة القادمة لمهرجان القاهرة، وكذلك في الدورة القادمة لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، وليس الأمر مظهرا شكليا لمجرد الاحتفال، بل يتصل بموقف فكري، وهدف تربوي في نشر الوعي الجماهيري بحقوق الإنسان، ويمكن مناقشة دور السينما المصرية والروائية والتسجيلية وكذلك دور الميديا والمدرسة.

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002