الاستخبارات الأمريكية الذراع الأمريكي للهيمنة علي العالم

د. ثناء فؤاد عبد الله

يقولون إن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش الآن مرحلة إعادة تنظيم كبري للحكومة في ظل عملية موسعة لم تشهدها البلاد علي مدار 225 عاما من تاريخها. فقد تشكلت وزارة الأمن الداخلي لأول مرة، ومنحت وكالات الأمن الحكومية سلطة مراقبة المحادثات بين المحامين وموكليهم، ويجري إسقاط أحكام الهجرة الخاصة بإطلاق سراح المحتجزين مما اعتبره البعض انقلابا علي أحكام القضاء لصالح الأوامر التنفيذية، وتتدخل القوات المسلحة يوميا في أعمال السياسة الداخلية، ويؤكد النائب العام أن وظيفة وزارة العدل كانت حتي الآن المنع والتعطيل وليس تعزيز القانون، وأخيرا، وقع الرئيس الأمريكي جورج بوش قانون إصلاح الاستخبارات الأمريكية، فيما يعد أكبر عملية من نوعها لإعادة ترتيب الأجهزة الأمنية الأمريكية منذ توقيع الرئيس الأسبق هاري ترومان علي قانون الأمن القومي الأمريكي في عام 1947 وأنشئ بموجبه البنتاجون، ووكالة الاستخبارات الأمريكية.

 

الأجندة الأمنية.. ملامح حياة

يمثل الهاجس الأمني الملمح الرئيسي لنمط الحياة في المجتمع الأمريكي الراهن، علي أنه يمكن تتبع بدايات تشكل الأجندة الأمنية في هذا المجتمع اعتبارا من سنوات الستينيات وما شهدته من صراعات، مثل الصراع من أجل تحرير السود وزعزعة سيادة البيض،وحركات تحرير المرأة  ثم الهزيمة الأمريكية في فيتنام وما مثلته من صدمة أدت إلي خلق جيل جديد معارض للعدوانية الأمريكية الخارجية  . وكرد فعل علي هذه الصراعات وما خلقته من فوضي، شهد المجتمع الأمريكي في الثمانينيات والتسعينيات تشكل آليات معاكسة تمثلت في التوسع الكبير في نظام السجون التي استهدفت أساسا الأفارقة والشباب اللاتينيين، وتقليص الحقوق المدنية، والحبس بدون أمر قضائي، وعسكرة الحدودالأمريكية ـ المكسيكية،، والتعامل مع المهاجرين بشدة. ويرتبط ذلك بظواهر معينة مثل إتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء واستمرار الخلاف حول الدور الاجتماعي للمرأة.يقول كلارك كيسنجر عن ملامح المجتمع الأمريكي علي هذا النحو، أن العدوانية الأمريكية بدأت في التبلور بتصاعد الهجوم علي من  هم في قاع المجتمع، وفي مقالة بعنوان  " القمع. . النظام الجديد في الداخل الأمريكي " يقول كلارك كيسنجر " أن الروح القمعية تجد تعبيراتها الآن في ظل السياسة التي تطبقها الحكومة الأمريكية والتي بدأت إرهاصاتها الأولي  بصعود رموز ما يسمي بالحركة الفاشية المسيحية." 

وعندما وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001، كان ذلك بداية الطوفان الكبير في الولايات المتحدة، الأمر الذي أدي إلي تغييرات كيفية، حتي وإن كانت في نفس الإتجاه.  وعلي حد تعبير محلل أمريكي يقول إن الأمريكيين يعيشون حالة مبهمة وغامضة  ، وأن الكثيرمن الناس يساورهم القلق العميق، ففضلا عن المناخ العام المصطنع للعداء للأجانب، تنتشر فكرة حق السلطات الحكومية في البحث عن أسرار الناس، بل الأكثر من ذلك، انتشار ثقافة الوشاية والإبلاغ عن الآخرين، واستخدام أحدث الأساليب التكنولوجية لتوسيع نطاق المراقبة بالمعني الشامل. ويعلق كاتب امريكي أن أكثر ما يلاحظ الآن في الحياة الأمريكية هو إنتشار عملاء المباحث الفيدرالية في أنحاء البلاد.

 

قانون إصلاح الاستخبارات

الرئيس الأمريكي بوش يردد دائما ان الأمة الأمريكية تزال في حالة حرب، وأن الاستخبارات هي أول خط دفاع ضد الإرهابيين الذين يسعون لإيذاء أمريكا. من هنا كان تشكيله للجنة المشتركة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري  في 2002 للبحث في أسباب إخفاق أجهزة الاستخبارات في توقع أحداث 11 سبتمبر. وكان مما أعلنته هذه اللجنة في تقريرها أن غياب التنسيق بين أجهزة الاستخبارات داخل الحكومة الأمريكية هو السبب في عدم الوصول إلي الحقيقة بشأن تقدير مدي  خطورة تنظيم القاعدة. وانتقد التقرير بشدة عمل السي اي ايه، خصوصا المعلومات حول أسلحة الدمار الشامل التي كان تأكيد وجودها السبب الرئيسي لشن الحرب علي العراق، ويقال إن التقريرالذي انتقد الاستخبارات هو الذي عجل باستقالة جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية ،وهي الاستقالة التي جاءت علي خلفية أحداث 11 سبتمبر من جهة، وأكذوبة أسلحة الدمار الشامل من جهة أخري، خاصة عندما وجه النقد لتينت نفسه وإدارته للوكالة بدعوي انها لم تشهد فشلا في تاريخها كالذي تواجهه اليوم.

وبعد مناقشات استمرت 3 سنوات حول اصلاح الاستخبارات، ومع الضغط من جانب الرأي العام الأمريكي، خاصة من جانب أهالي ضحايا 11 سبتمبر،  وافق الكونجرس الأمريكي علي أكبر عملية لإصلاح الاستخبارات الأمريكية خلال 50 عاما، حيث مرر مشروع القانون الذي واجه معارضة عنيفة من جانب وزارة الدفاع   «البنتاجون»، كما عارضه عدد من النواب الجمهوريين بدعوي أنه سيؤدي إلي الإضرار بسلسلة القيادة العسكرية، وقد يؤخر تدفق المعلومات الاستخبارية إلي الجنود علي خطوط الجبهة.أما أهم ملامح القانون الجديد للاستخبارات، الذي قيل أنه يهدف إلي ضبط الحدود وتأمين الطيران المدني، فهو استحداث منصب مدير الاستخبارات القومية، ورئاسته لأجهزة الاستخبارات البالغ عددها خمس عشرة وكالة منتشرة داخل الحكومة الأمريكية، ويرفع تقاريره مباشرة للرئيس  الأمريكي. وهذا المنصب الجديد غير منصبي مدير الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ويكلف الشخص الذي يتولاه بجزء من العمل الذي يقوم به حاليا مدير الوكالة ولكنه لن يكون ملزما بالإدارة اليومية. كما يستحدث القانون مركزا قوميا لمكافحة الإرهاب، يتولي التخطيط والمساعدة في الإشراف علي العمليات الأمنية. ويتيح هذا المركز توظيف 10 الاف فرد بتمويل يغطي خمس سنوات قادمة لمراقبة الحدود الأمريكية. وتقول سوزان كولينز ريئسة لجنة الشئون الحكومية بمجلس الشيوخ أنه مثلما ساعد قانون الأمن القومي عام 1947 في منع حدوث بيرل هاربر جديدة، فإن قانون إصلاح الاستخبارات يساعد في منع هجمات 11 سبتمبر جديدة. أما الرئيس بوش فإنه يؤكد أن القانون الجديد للاستخبارات سيحقق الحماية لأمريكا لأنه سيضمن التعاون بين جميع أجهزة جمع المعلومات.

و بالرغم من ذلك، فإن عددا من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي يبدون تشككهم في مدي كفاية الإصلاحات ومدي استقلالية مدير الاستخبارات عن البيت الأبيض لتجنب الإخفاقات الاستخباراتية، وتاثر التقييم الاستخباراتي بالأحكام السياسية.

 

خطة وزارة الدفاع

بعد أن وقع الرئيس الأمريكي قانون إصلاح الاستخبارات، أعلن مسئولون دفاعيون في وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» أن هناك خطة تسمح لوزارة الدفاع بلعب دور أكبر بروزا في "العمليات الاستخبارية" التي ارتبطت تقليديا بالـ «سي. اي. ايه» بما في ذلك عمليات مطاردة الجماعات الإرهابية.

وتؤكد المصادر ان الخطة المقترحة يتبناها جنرال وليام بوكين نائب وكيل وزارة الدفاع، وترتكز الخطة علي فكرة الاعتماد علي العنصر البشري اكثر من الأجهزة التقنية في جمع المعلومات، ونقل بعض المسئوليات والعمليات الخاصة بما فيها المهام شبه العسكرية من المخابرات المركزية لمؤسسات وزارة الدفاع.والمعروف أنه في الفترة الماضية، كانت الاستخبارات العسكرية هي التي تتولي تنفيذ عمليات التجسس وجمع المعلومات عن جيوش الدول الأخري. أما في ظل التوجهات الجديدة فإنه من المتوقع أن يسند للاستخبارات العسكرية مسئولية "مكافحة الإرهاب" بالمعني الواسع، وكذلك جمع المعلومات المتعلقة بانتشار أسلحة الدمار الشامل، فيما يوصف بأنه يمنح الاستخبارات العسكرية المرونة التي سبق أن تمتعت بها الاستخبارات المركزية.وعلي الرغم من ان خطة وزارة الدفاع تزال سرية، فإن وزير الدفاع أصدر أمرا تنفيذيا يقضي بمنح القادة الإقليميين والميدانيين في ميادين المعارك سلطات واختصاصات تسمح بتوسيع دور القوات العسكرية في جمع المعلومات الاستخباراتية، خاصة ما يتعلق بمطاردة الإرهابيين.

وفي هذا السياق، علقت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن وزارة الدفاع الأمريكية تسعي لسحب البساط من تحت الاستخبارات المركزية ومنافستها في مجال جمع المعلومات. ومن المعروف انه علي الصعيد الداخلي، فإن وزارة الدفاع الأمريكية أخذت صلاحيات موسعة لاختراق بيانات الحكومة، والشركات الخاصة. ويحذر الجنرال تشارلز توماس من النتائج التي يمكن أن تترتب علي احتدام التنافس بين ضباط الاستخبارات وقيادات العمليات وما يؤدي إليه ذلك من تشويه للحقائق.

 

 أوراق بوش.. الرابحة

يقولون إن الرئيس الأمريكي جورج بوش يبدأ ولايته الثانية في 20 يناير القادم وفي يده عدة أوراق رابحة حتي ولو كانت صورته أمام الرأي العام العالمي سيئه جدا. من بين هذه الأوراق الرابحة برنامجه للإصلاح الداخلي، بما في ذلك قانون الضرائب، ونظام التقاعد، وبرنامج الطاقة، وأيضا خطته لإصلاح وكالة الاستخبارات المركزية. ولكن هناك رؤية أخري تقول إن بوش يبدأ ولايته الثانية، وقد تعمق الشرخ بين المؤسسات الأمريكية الرئيسية وفي مقدمتها وزارة الدفاع (البنتاجون)، ووكالة الاستخبارات المركزية، ووزارة الخارجية.

هنا نجد أن العديد من الكتاب الأمريكيين يتناولون الظواهر الجديدة في المجتمع الأمريكي برؤية تختلف عن رؤية الحكومة الأمريكية، فيقول كلارك كيسنجر "أنه عندما تعطي وزارة الدفاع مهمات استخباراتية لاختراق قواعد البيانات في أي مؤسسة، وعندما تجمع معلومات عن الاوضاع المالية وكروت الائتمان  لكل مواطن أمريكي، فإن ذلك يعني تراجع حكم القانون في الولايات المتحدة لصالح حكم الرجال". أما السيناتور كارل ليفن فإنه يركز علي ما يسميه الأخطاء المتوقعة  في مجال جمع المعلومات الاستخباراتية في الداخل والخارج مؤكدا أن "سوء استخدام المعلومات وتضخيمها هو ابعد من وكالة الاستخبارات لأنه يجري علي أعلي مستويات الدولة".

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002