|
* انتحاري يفجر سيارته علي بعد 300 متر من مرقد الإمام
«علي بن أبي طالب» فيقتل 52 عراقيًا ويصيب 90 وقبلها
بلحظات قتلت الانفجارات في كربلاء ـ ولليوم الخامس علي
التوالي ـ 14 عراقيًا وأصابت 39 بينهم نساء وأطفال *
المراقبون: العمليات لا صلة لها بمقاومة الاحتلال
ولكنها تعبير عن توتر طائفي مكتوم بسبب الاختلاف في
وجهات النظر بين الشيعة والمتشددين السّنة حول العملية
السياسية واحتمال تورط عناصر صدامية في التخطيط لها
ليس مستبعدًا
د. أحمد راسم النفيس
لأن الانفجارات الدموية الأخيرة التي وقعت يوم الأحد
في 19 ديسمبر الماضي، حدثت في كربلاء والنجف وليس في
أبو غريب ولأن الإعلام العربي كان علي ما يبدو مشغولا
بالأنباء المقلقة عن إضراب الرئيس العراقي المخلوع عن
الطعام وانخفاض معنوياته وفقدانه لشهيته وبالرغم من أن
القتلي هم بالعشرات وكلهم من المدنيين الأبرياء وبينهم
العديد من الأطفال والنساء وبالرغم من أن الفاعل ليس
مجهولا حيث أعلن عن نفسه مرارا وتكرارا فقد أدت
صحافتنا ما هو أكثر من الواجب عندما نشرت الخبر في
صفحاتها الداخلية، ومع ذلك فالتعليقات معروفة ويمكن
استنتاجها مسبقا فالمعلقون الإسلاميون منهم سيقولون إن
الغلاة والمتطرفين من الجانبين "القتلي والقتلة"،
أرادوا إشعال الحريق و"افتعال" أجواء الفتنة لتمرير
المخطط الأمريكي الصهيوني، وإن "هناك أصابع إسرائيلية
تريد تشويه صورة المقاومة الناصعة" والدليل علي ذلك هو
"وجود 27 شركة إسرائيلية في العراق وفي رواية 44 وفي
رواية ثالثة 140 شركة" وأن "عزام عزام لم يشاهد منذ
خروجه من السجن في إسرائيل مما يشير إلي وجود دور له
في أحداث النجف وكربلاء"!!.
أما مثقفو أبي غريب الراغبون في إثبات انتمائهم
القومي، وأنه لا يقل وطنية عن الزرقاوي رغم دعوته
المستمرة للعولمة، فسيقولون إن هذا الحادث يثبت فشل
المشروع الأمريكي في العراق لأن الولايات المتحدة غير
قادرة علي إقناعنا بوقف الانتحار الجماعي والقتل
المتبادل!!!.
أما هم، فأبرياء وأتقياء والعيب كل العيب هو في
الديمقراطية التي لا يمكن فرضها لأنها لا تناسب المناخ
الشرق الأوسطي الدافئ الذي يحب اللون الأحمر ويعشق
سماع الموسيقي الصاخبة الممزوجة بصوت الانفجارات ونجمه
المفضل أبو مصعب الزرقاوي!!..
مشاهد الهول
في النجف الأشرف فجر انتحاري أو حسب المصطلحات
المعتمدة رسميا ـ استشهادي ـ سيارته علي بعد 300 متر
من مرقد الإمام علي بن أبي طالب قرب حشد من الناس
كانوا يصطفون لركوب الحافلات وسيارات الأجرة وبالقرب
من مكاتب مزدحمة.
وقال مسئولو المستشفيات إن الانفجار أودي بحياة 30
شخصا علي الأقل وأصاب 65 آخرين. وقال مسؤول مستشفي آخر
إن 48 شخصا قتلوا وأصيب 90 آخرون علي الأقل. وشوهدت
حشود تملكتها الصدمة والذهول تنتظر سيارات الإسعاف في
درجة حرارة تقترب من التجمد، وفيما بعد استقر الرقم
الرسمي لعدد القتلي عند 52 قتيلا.
وفي كربلاء قال المستشفي الرئيسي إن 14 شخصا قتلوا
وأصيب 39 آخرون ولكن مسئولا بالمستشفي قال إن هذه
الحصيلة مؤقتة وإن عدد الضحايا قد يرتفع. وتابع
المسئول إن جميع الضحايا من المدنيين علي ما يبدو وإن
بينهم كثيرين من النساء والأطفال.
صبي اسمه خالد جبار عمره 15 عاما يعمل في مقهي فقد
قدمه اليسري في الانفجار قال لوكالة أسوشيتد برس
للأنباء: "كنت أعمل في المقهي عندما سمعت انفجارا
كبيرا شعرت أني أصبت بصدمة كهربائية ثم رأيت قدمي
اليسري علي الأرض" كما قتلت طفلة صغيرة عمرها ستة أشهر
في أحضان أمها.
وقال مصور لرويترز التقط صورا لمكان الحادث فور وقوع
الهجوم إن القتلي والمصابين تناثروا في المنطقة
المحيطة بمحطة الحافلات بالمدينة. وكانت ألسنة اللهب
مازالت تلتهم أجزاء متناثرة من السيارات بعد ساعة من
وقوع الهجوم.
خَّلف الانفجار حفرة عميقة في الطريق وأطاح بنوافذ
المباني وواجهات المحال التجارية وتناثرت قطع الزجاج
المحطم في المنطقة.
وهجوم كربلاء هو الخامس خلال خمسة أيام متوالية.
ويوم الأربعاء الماضي انفجرت قنبلة كانت تستهدف رجل
الدين الشيعي عبد المهدي الكربلائي وهو يهم بالعودة
إلي منزله بعد صلاة العشاء بمسجد الإمام الحسين. ووقع
انفجار يوم الأحد علي بعد بضع مئات من الأمتار من
المسجد. وقتل تسعة أشخاص بينهم أربعة من الحرس الشخصي
للكربلائي وأصيب اكثر من 30 آخرين في هجوم يوم
الأربعاء من بينهم الكربلائي نفسه الذي يعتبر مقربا من
الزعيم الشيعي الأعلي بالعراق آية الله العظمي علي
السيستاني.
ضبط النفس
المراقبون المحايدون يقولون إن هذا النوع من العمليات
التي تعبر عن حالة من الحقد والكراهية والرغبة في
القتل والتشفي لا ترتبط بالشأن العراقي ولا بما يدعيه
الذين قاموا بها من مقاومة للاحتلال، ويرجحون أن تكون
تعبيرا عن توتر طائفي مكتوم علي خلفية سياسية تتعلق
بالتباين في وجهات النظر بين الشيعة، وبعض الأقسام
المتشددة من السنة حول الموقف من العملية السياسية
التي بدا التحرك نحو أولي خطواتها بينما يري محللون
شيعيون، إن وراءها عناصر سنية متشددة، تسعي لمواصلة
حروب الإبادة التي شنوها علي الشيعة أينما وجدوا بدءا
من الغارات التي شنت علي النجف وكربلاء في القرن
الثامن عشر ومرورا بالمجازر التي ارتكبها الطالبانيون
وحلفاؤهم القاعديون في أفغانستان في باميان ومزار
شريف، ومع ذلك فإن القيادات الشيعية تدرك الخطر القائم
من محاولة الرد بصورة مباشرة وقد قررت ومنذ بدء هذا
النوع من الأعمال الإجرامية أن تترك الأمر للدولة
العراقية المسئولة عن تطبيق القانون ويستدل هؤلاء علي
ذلك بأن العشائر العراقية المكلومة بسبب قتل العشرات
من أبنائها في اللطيفية والفلوجة حاولوا أن يحصلوا علي
فتوي من آية الله السيستاني تخولهم الثأر من قتلة
أبنائهم وفقا للقانون العشائري العراقي، لكنه رفض، حيث
تبدو المؤامرة الصهيونية التي ينفذها هؤلاء واضحة
والتي تهدف ليس إلي جر العراق وحده إلي حرب أهلية بل
إلي جر المنطقة كلها إلي حرب لا تبقي ولا تذر.
من أين يأتي الانتحاريون؟
وفي تقدير بعض المراقبين فإن هذا النوع من الأعمال لا
يقوم به إلا العقائديون ويستشهدون علي ذلك بقصة الشاب
اللبناني الذي ألقي القبض عليه في لبنان بعد عودته من
الفلوجة والذي التقاه الصحفي الأمريكي نيل مار كفار
كار وحكي قصة تسلله إلي العراق عبر سوريا وكيف كان علي
استعداد تام للموت في سبيل هزيمة الأميركيين، وكيف
قادته الظروف إلي الاختباء في منزل سري بالعاصمة بغداد
ووجد مجموعة كبيرة من «المجاهدين» الذين ينتمون لبعض
دول الجوار حجزوا دورهم قبله كي ينفذوا عمليات
انتحارية في العراق. واستطرد قائلا إن العراقي المسئول
عن المجموعة قال لهم إن هناك ثلاث طرق لاستهداف العدو
أولها العبوات الناسفة التي توضع علي جانبي الطريق أما
الطريقة الثانية فتتلخص في إطلاق النار علي الدوريات
وعلي الرغم من أن للمعلم اللبناني بعض الخبرة في إطلاق
النار فإنه لم يؤد الخدمة العسكرية ولا يعرف الكثير عن
الأسلحة. أما ثالث أنواع "الجهاد" وأفضلها، كما قال
لهم المتمرد العراقي المسؤول عن المجموعة، فهو قيادة
سيارة مفخخة وتفجيرها في العدو. تطوع المعلم اللبناني
لقيادة سيارة مفخخة صوب هدف عسكري أميركي لكنه لم يرغب
في قتل العراقيين حتي ولو كانوا جنودا).
المفاجأة الجديدة، هي إعلان قائد الشرطة العراقية في
محافظة النجف، أن أحد المشتبه بهم، اعترف بأن
المخابرات السورية لعبت دورا في التفجيرات، ومع أن
سوريا نفت ذلك واستنكرته، إلا المراقبين لم يستبعدوا
احتمال أن تكون هناك جماعات من بقايا حزب البعث
العراقي تتخذ من الأراضي السورية، علي غير علم الإدارة
السورية، مركزا للتخطيط لمثل تلك العمليات، انطلاقا من
سعي أنصار النظام العراقي السابق، لتعطيل العملية
السياسية في العراق، لتظل الفوضي الأمنية، قائمة،
وتشتعل الفتن الطائفية، وهو ما يؤدي في النهاية إلي
عودة النظام الصدامي للحكم.
وإذا كان هذا الفتي اللبناني لم يكن يرغب في قتل
العراقيين حتي ولو كانوا جنودا فلا شك أن هناك العشرات
من مغسولي الأدمغة الذين يرغبون في دخول (الجنة) من
بوابة أبي مصعب الزرقاوي والذين يقودهم مثقفو أبو غريب
بتحليلاتهم المضللة واستنتاجاتهم الأكثر ضلالا إلي
حتفهم وإلي خراب هذه الأمة وبث المزيد من الفرقة
والشقاق بين صفوفها.
إلا أن الكارثة التي لا ينبغي التغافل عنها وسط
الدعوات لرص الصفوف ومنع وقوع الفتنة هو ذلك الدور
البشع الذي لعبه وما زال يلعبه فقهاء وإعلام الفتنة
والتحريض علي الولوغ في دماء المسلمين إذ لا بد أن
يأتي يوم القصاص العادل من كل من قتل أو أعان أو حرض
علي القتل (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب). |