د. مأمون البسيوني يكتب:

العمليات الاستشهادية نقطة الخلاف بينهما

بين ديمقراطية القرضاوي.. وظلم الأمريكان للمعتدلين الإسلاميين

* تقرير مؤسسة «راند» الأمركية يدرج اسم فضيلة الشيخ القرضاوي بين الإسلاميين المحافظين.. فيعاتب الأمريكيين لأنهم يظلمون المعتدلين الإسلاميين.. ولا يتنبهون إلي الإسلام المدني الديمقراطي * الشوري في الإسلام ـ كما يري القرضاوي ـ ليست سوي الديمقراطية.. والترشيح والانتخابات هي ـ في رأيه ـ الوسيلة الحديثة لاختيار أهل الحلّ والعقد * تقرير المؤسسة الأمريكية لا يعتبر شيئًا بالقياس للمرونة التي يبديها فضيلته.. ونقطة الخلاف التي يصر عليها هي رفضه التنازل عن تأييد العمليات الاستشهادية

 

علي قناة «الجزيرة»، وفي واحدة من حلقات برنامج "الشريعة والحياة" أدارت الأخت «خديجة بن قنّه» حواراً مهماً مع الشيخ «القرضاوي». طالبة منه أن يعلق علي تقرير مؤسسة "راند" الأمريكية. الذي صدر بناء علي طلب وزارة الدفاع يبحث مسألة "الإسلام المدني الديمقراطي" ويبدو أن التغيير والتقويم لن يتوقف عند الحملات العسكرية وإقامة ما يسمي نظم حكم ديمقراطية، ولن يقتصر علي تغيير مناهج التعليم، فالجعبة محملة بالتطويرات والإضافات المطلوبة بإلحاح كبير وإلي مدي غير منظور.

ويحتاج المشاهد الذي اهتم بمتابعة الحوار أن يعمل ما وسعه لتحسين فهمه لهذه العملية، التي حددتها علي طول الخط حتي الآن المصالح الأمريكية. والتي بدأ تجريبها باستخدام فصائل الجهاد الإسلامي وتدريبها وتسليحها للحرب ضد الشيوعية في أفغانستان. ثم انقلاب المجاهدين إلي إرهابيين، وجهوا ضرباتهم إلي الولايات المتحدة في عقر دارها، فيما عرف باسم أحداث الحادي عشر من سبتمبر  وما ترتب عليها من ظهور عالم مكافحة الإرهاب.. حتي لو اعتبرنا أنه لا يزال لسكان منطقتنا أو بعض فصائلهم دور في التغيير المقبل، فمن المهم أن نقرأه علي أساس تحسين هذا الدور. أن نري ضوءاً في نهاية النفق لما نسميه المقاومة علي أرض العراق أو فلسطين  أو أفغانستان.

 

عتاب علي الأمريكية

الخوف المتبادل من العدوانية يفرض نفسه،  ولم يعد ذا قيمة كبيرة  التناغم المعتاد يسانده كورس من الأسئلة والمداخلات. والجميع يشيد بأوضاع الإسلام  في الخيال الاجتماعي ويؤكد انفراده وتفرده من بين كل طوباويات الإنسان وأحلامه ومثله ومدنه الفاضلة. والأمر اخطر من أن يصب الشيخ العلامة مزيدا من الماء في الشلال المنهمر فوق رؤوسنا  لتوضيح المسائل الواضحة. عن وضوء المسلم وصلاته وزكاته وصيامه وحجه وعمرته. ولم يعد هناك شيء يثير التشويق نحو أي فصل معاد من " تراجيديا " هداية المعذبين في الأرض من المسلمين والمسلمات، وتثبيت إيمانهم وأقدامهم. علي ساحة القتال.... لا يملكون إلا الاستشهاد والعمليات الفدائية. وعلي ساحة السلم ينتشر اصطحابهم إلي رفع الأكف بالضراعة إلي السماء، ودغدغة مشاعر الفقراء بالزهد في دنيا لا يملكون من شئونها إلا الكفاف وما يستر اللحم. يطلبون ممن لا يملكون نقوداً أن يحذروا فوائد البنوك، يناشدونهم العفة والتواضع. الدنيا دار ممر ـ أيها الفقراء ـ والآخرة هي دار المقر.

وكان علي فضيلة الشيخ «القرضاوي»  ـ وقد ورد اسمه في تقرير المؤسسة الأمريكية ـ أن يحدد شقة الخلاف بينه وبين البنتاجون.. يضيقها إلي أبعد الحدود. يغازل ويعاتب الأمريكيين علي أنهم لم ينتبهوا إلي الإسلام " المعتدل"، " المدني  الديمقراطي" فلم يوافقوا علي دخول  الشيخ «يوسف» إلي الأراضي الأمريكية من قبل. ولا قدروا دوره ضمن بعثة "اليونسكو" إلي طالبان لإقناعهم بعدم تحطيم تمثال بوذا. وها هم "الأمريكيون" يصرون علي تصنيفه في تقرير " راند" ضمن التقليديين المحافظين. بما يوقعه عليه ذلك من ظلم شديد وهو الذي يري " أخيراً " أن الشوري في الإسلام ما هي إلا الديمقراطية. وقد علمنا الغرب - أمريكا وفرنسا وبريطانيا وغيرهم - آلياتها الجديدة التي توصلت إليها عقولهم. أمام اتساع الحياة، وزيادة السكان، واشتداد وتيرة التغيير والتحديث. وما الترشيح والانتخابات والتصويت وفرز الأصوات إلا الوسائل الحديثة لاختيار أهل الحل و العقد. وسوف تنتج عجباً في مجتمع مسلم.. وقد تمني «القرضاوي» أو ربما وثق أن أهل الحل والعقد ستأتي بهم الديمقراطية بكل تأكيد  من بين أقطاب التيارات والفصائل الإسلامية. الذين تركنا لهم الناس نهباً سائغاً للصياغة والتشكيل "كدا.. إرهاب وتعصب وتطرف.. وكدا..عمل مدني ونقابي وحزبي ودعوجي".

 

الذي لا يتنازل عنه

وتقرير مؤسسة «راند» لا يعتبر شيئاً أمام المرونة التي يعد بها الشيخ ويزف بشراها، ويعرف أسانيدها الموثقة وأصول ألفاظها ومعانيها. البعد عما به شبهة التطرف والتعصب والجمود في المذاهب الأربعة؟

هذا أمر مفروغ  منه. لكن أين هؤلاء " الخواجات " من تحاشي علوم الحديث، والشيخ العلامة كغواص ماهر، من القلائل في عالم الإسلام الذين يعرفون أنها بحار بلا قاع أو ضفاف

أما الحدود: فلا تخافوا الرجم والجلد أيها الزناة ! فالبينة في الزنا أن يشهد الشهود بأنهم  رأوا" المرود في المكحلة".

وأما  قطع يد السارق فأين نحن من تطبيق هذا "الحد " وسط الفقر المدقع واسع الانتشار والنطاق؟

ولا ينسي الشيخ «يوسف» أن يبرئ ذمته من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فيذكر أنه بادر باستنكارها علي " إسلام أون لاين "، وأنه فتح بيته للصحفيين وأدلي بحديث إلي " توماس فردمان"، ولا يزال يمتلك مزيداً من الحجج علي أن الإرهاب موجود في كل الملل والأديان.... وهناك من قتل «أنديرا غاندي» و«إسحق رابين».

وكغيره من فقهاء الأديان الأخري يعترف الشيخ «القرضاوي» بأن التطرف والتعصب والجمود وجد في الإسلام كما وجد في اليهودية والنصرانية. ولا يبقي في جعبة التوفيق بين الإطار المرجعي الإسلامي والإطار الديمقراطي العلماني "في الغرب وليس داخل بلاد العرب والمسلمين" إلا عدم استطاعة الشيخ التنازل عن تأييد العمليات الاستشهادية. فماذا يملك المقاومون إلا أجسادهم يفجرونها ؟ أعطهم  ـ أيها الغرب ـ أباتشي وصواريخ لتكون الحرب عادلة!

هذا ما لا يستطيع الشيخ يوسف التنازل عنه "إن الله كلفني بالدفاع عن أمتي وديني" وبهذا الخصوص "لا أخشي في الحق لومة لائم".

وفي أتعس أيام حياتنا.... وكل شيء مضطرب حولنا.. وعواصم العرب والمسلمين سقط بعضها بالفعل،  والبعض مهدد، ونحن لا نملك بين أيدينا من مقدرات الحرب والسلام والهدنة إلا ما يملي علينا. فلن يكون الرجل الرشيد من بيننا هو الذي يصعد إلي التل ليصب هناك في الأشياء، ما هو خبيث وما هو طيب. إنه لا يصف شيئاً علي الإطلاق  في واقعنا الاجتماعي. وستظل الحقيقة هي أعلي قيمة لهذا الاكتشاف - المثير ـ القديم جداً. الخير والشر موجودان في البحر والبر والجو! وفي اكتشافاتنا الفكرية والعلمية أيضاً.

هذا غير جديد وغير كاف ومضلل، و«أسامة بن لادن»، والظواهري، والزرقاوي، يستمرون في تنظيم الخلايا ومباشرة الهجوم العسكري الذي بدأوه. يستخدمون نفس الكلمات الكبيرة والعبارات البراقة.. الدفاع عن الإسلام ـ وحماية أراضي المسلمين.... ولا نخاف في الحق لومة لائم.

وبغض النظر عن التعصب والتطرف وأحوال المرأة والتعليم والثقافة والفن وتحطيم التماثيل وكل ما لن تتصلح أحواله من أمورنا إلا أن يكون إسلامياً. وبالتنازل أيضاً عن الخبرة التاريخية لأربعة عشر قرناً من الزمان. فإن هناك حماقات أخري لم نتحملها تهدد الحياة وتستدعي الغزاة، ولا يجب أن تستمر أكثر من ذلك. جرت ولا تزال تجري أمام عيوننا، نعاشر فيها الإرهاب باسم الإسلام، نتعامل باسمه مع لاهوت التحرير، نجرب الإسلام "الوطني الديمقراطي" والذي لاحت لنا بوادره في النقابات المهنية والمعارك الانتخابية، وكما يلوح لنا صباح مساء في أحاديث المعتدلين الوسطيين علي شاشات الإعلام.

والتحول سهل وقابل للتبرير والانتقال من شكل لآخر ومن لهجة إلي لهجة ومن زي إلي زي. والمقولات المركزية في كل الأحوال هي نفس المقولات. والشيخ «يوسف القرضاوي» لا يشغل ولو بعضاً من حلقاته، ومناقشاته وأحاديثه وكتبه لفك الارتباط بين الإرهاب والعنف والتعصب وبين الإسلام. هو يبدو منشرحاً لاعتبار العنف الإسلامي عنفاً دفاعياً. غير مهتم باتهام الإسلام السياسي بالإرهاب، من بين كل الحركات والفرق الفكرية والسياسية التي قامت  تصد الغزاة وتحرر الأوطان وتعمل علي تقدمها وارتقائها. ليس هناك سوي إجابة واحدة جاهزة ـ الغرب وإسرائيل أعداء الله ـ أو أن ملايين الغلابة الطيبين المقهورين ظلموا أنفسهم فلا تقبل منهم صلاة ولا صيام ولا ضراعة....  ومن أعمالهم سلط عليهم.

أصبحنا ضحايا لهذه الفكرة التي ذاعت. آمنا بأن مهمتنا أن نحسن إسلامنا وأن نمكن له في نفوسنا وفي كل ثقب في حياتنا. فهل كان لمثل هذا الحدس أن يؤدي إلي معارك دامية؟ أجبنا يا شيخ يوسف.

كيف ينتقل عضو جماعة الإخوان المسلمين الذين بدأ الفكر والنضال معهم، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلي فريق الجوالة ثم إلي الجهاز السري؟ من تسامح «حسن البنا» إلي جاهلية «سيد قطب»؟ إلي التكفير والهجرة في حادث الفنية العسكرية؟ إلي.. إلي.. إلي قتل السياح الأجانب ووضع قنبلة في مقهي بميدان التحرير.

وكان لابد أن تؤدي الأفعال المشئومة إلي الارتياب والتشكك والخوف. نبحث..  نفكر ملياً.. في راية الإخوان " علي شكل سيفين والمصحف بينهما. نتدبر معني القوة في شعارهم.. دعوة "الحق والقوة والحرية". تتكشف لنا شهرة الإخوان المسلمين وشهوتهم إلي العنف والعراك وإثارة الخصام والفتن واستخدام الكرابيج والجنازير والسلاسل في انتخابات اتحادات الطلبة واتهام الخصوم بالكفر في النقابات المهنية.

يصعب أن نتصور أن الصدفة أو ظروف الكفاح الوطني الاجتماعي هي التي فجرت هذا الاستعداد للعنف، هي التي قلبت عقل الابن والأخ أو القريب والجار أو زميل الدراسة والمهنة والمواطن. وكان لابد أن نفكر في المنظومة الإيمانية اليقينية. والتي لا تحتاج إلا لأقل استثارة ـ ربما كلمة ـ كي تنفجر بكل طاقاتها. وهي هي نفسها التي لا يزال يعبر عنها الشيخ «القرضاوي» ـ الله كلفني ـ يتحول الإيمان الذاتي بما اعتقدناه تكليفا من الله سبحانه وتعالي إلي مسلمة مطلقة الصواب. وكل ما عداها مطلق الخطأ وشديد الاختلاف معه. تتعدد في مجتمعاتنا المسلمة تيارات وجماعات وانقسامات الذين كلفتهم السماء. تتنوع أمزجتهم ـ وتتباين مستويات تعليمهم أو أميتهم، وإمكانياتهم العقلانية والثقافية، وقدراتهم المادية ومن المال والسلاح، وظروف أوطانهم من حالة الاستقلال أو حالة الاحتلال. يقرأ «السيد قطب» النصوص القرآنية والأحاديث النبوية أو يقرأها «أسامة بن لادن»، أو «القرضاوي» ولا سؤال غير السؤال التقليدي من كلفتهم السماء بتبليغ رسالتها؟ من الذي يعهد إليه بالسلطة في البلد الإسلامي والعالم الإسلامي بل والعالم بأسره؟ فالإسلام للناس كافة وقد تأكدوا أن البشرية لا منقذ لها إلا الدين الحنيف. يتقدم أي منهم للإجابة.. إرهابيا كان.. أو معتدلا وسطيا.. أو ديمقراطيا مدنيا.. وقد امتلك مقدما موقفا تحكميا لقضايا المعرفة البشرية.  والتي لا تصبح موثقة ومعترفا بها وذات نسب أصيل إلا من خلال القرآن الكريم وسنة محمد صلي الله عليه وسلم.

غير أن "العلمانيين" المفتري عليهم من بني جلدة الشيخ «يوسف القرضاوي» وبني وطنه يستبدلون سؤال من الذي يجب أن يحكم؟  بسؤال آخر أكثر تواضعا. دع عنك مقولة " اترك ما لقيصر لقيصر.. وما  لله لله " والتي تؤرقكم من ناحية التمايز عن الغرب. لنسأل.. كيف يمكن أن ننظم مؤسساتنا السياسية؟ بحيث نتجنب ونتحاشي ولاية المستبد والظالم والفاسق والفاجر. وأن نعزل دون "إراقة دماء " أي من هؤلاء، رجلا كان أو امرأة، صاحب دنيا أو مدعي دين. الحكمة هي ضالة المؤمن كما ينقل الشيخ «القرضاوي»، أني وجدها فهو أولي بها. وقد توصل الشيخ أخيرا واتفق مع العلمانيين علي أنها " الديمقراطية ".انها الطريقة التي امتلكها البشر حتي الآن ليحصلوا علي اقل صور الحكومات شرا. وفي المجتمع الديمقراطي الذي ربما يعيشه أحفادنا، وما هي إلا بضع ترددات أخري  وبضع توترات، حتي تخرج الرؤوس من الرمال، وتتنفس الحجج التقليدية المحافظة هواء  نقيا. يفكر الناس بحرية وطلاقة وشجاعة، في معني : أن الإسلام لا يعرف الرهبنة وإنما يعرف الصوفية والخلوة والاعتكاف. ليس بالإسلام قسيس ولا رجل دين إنما شيخ فاضل وعالم علامة. ليس هناك " بابا " إنما هناك الإمام الأكبر  ومفتي الديار، وآية الله، وحجة الله والمرشد الديني للثورة و ورئيس هيئة علماء المسلمين. الإسلام دين ودولة تبوء بالفشل الكثير علي مدي القرون من محاولات إقامة مجتمع تصبغه الروح النقية الصافية المثالية للإسلام. الإسلام مصحف وسيف، يختفي المصحف ليظهر في تراتيل العبادة، وتوديع الموتي ومباركة عقود الزواج وقسائم الطلاق، وافتتاح وختام الاحتفالات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية، وقعدات التفسير والتأويل ومدارس تحفيظ الكتاب الكريم. ويظهر السيف لتعلمنا جماعات الإسلام السياسي والحركي كم هو سهل علي من يحاول هدايتنا الي طريق الفردوس أن يقودنا إلي جحيم التعصب والتفرق والاقتتال.. ومن المؤكد أن الرهبان والقساوسة لم يكونوا شيئا خبيثا، عندما قرر الغرب فصل الدين عن الدولة. ونقرأ في القرآن الكريم أن الذين أقربهم مودة للذين آمنوا هم النصاري.  ذلك لأن منهم  قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وفي طول  البلاد الإسلامية وعرضها يوجد مشايخ طيبون، وفقهاء عارفون بشؤون الدين الإسلامي. ولكن.. هل وجدت علي مدار التاريخ الإسلامي.. دولة.. حكومة.. سياسة.. يمكن بأمانة وجدية أن تسمي إسلامية؟ سيقولون أيام الرسول صلي الله عليه وسلم وجزء من الخلافة الراشدة.. بضع سنوات علي مدار ما يقرب من أربعة عشر قرنا.

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002