وائل لطفي يواصل بحث ظاهرة الدعاة الجدد

الدعوة للإسلام علي طريقة الـ hight class

أنا بتاع الماكدونالد والتيك أواي

الموجة الثالثة من الدعاة

في السنوات التالية لسطوع نجم عمرو خالد وخالد الجندي.. وغيرهم ممن يمكن اعتبارهم الجيل الثاني من الدعاة الجدد، تحولت الدعوة الجديدة إلي مؤسسة حقيقية. وبدا واضحا أن الدعوة بهذه الطريقة ليست نشاطا فرديا يمارسه الفرد إذا حلا له هذا، وبدا واضحا أن هناك سياقا أوسع يضم الجميع، حتي إن لم يتعمدوا ذلك، فالملامح الشخصية للدعاة من حيث التعليم المدني، ونوعية الخطاب الذي يركز علي ما هو اجتماعي ومعيشي ومرتبط بالسلوكيات والاحتياجات شبه اليومية. وكذلك البعد عن خطاب الزجر والتخويف، بدت واحدة، حتي مع ظهور الجيل الثالث من الدعاة الجدد، كما أن بعض المساجد التي تضمها شوارع الأحياء الراقية غدت بمثابة جامعات صغيرة أو مراكز لإنتاج ظاهرة الدعوة الجديدة.

 

مساجد ودعاة

ولعل تعاقب أجيال الدعاة الجدد علي الخطابة في هذه المساجد هو الذي يوحي بفكرة تشبيهها بالجامعات، ففي مسجد نادي الصيد في حي الدقي تتالت أسماء عمر عبدالكافي وعمرو خالد وخالد الجندي ود. عبدالباسط محمد (هو أستاذ فيزياء تخصص عقب سفره للسعودية في الطب النبوي). وفي مسجد دعوة الحق.. القريب من نادي الصيد توالت أسماء عمرو خالد، ثم صفوت حجازي.

أما مسجد «أبو بكر الصديق» الذي يقع في ناحية هليوبوليس الراقية والبعيدة بالذات فقد تتالت عليه أسماء مثل خالد الجندي وحازم أبو إسماعيل وخالد عبدالله والأخير مهندس مدني ذو أسلوب كوميدي ساخر، وهو يعد خير ممثل للجيل الثالث من الدعاة الجدد، حيث بدأ الخطابة في مسجد «أبو بكر الصديق» بعد منع خالد الجندي من الخطابة هناك في صيف 1998.

وبالإضافة لهذه المساجد فإنه لا يمكن إغفال المسجد الأشهر في صناعة الدعاة الجدد، وهو المسجد الذي تديره جمعية ترأسها الفنانة الأنشط بين المعتزلات ياسمين الخيام أو إفراج الحصري، كما أصبحت تفضل أن تنادي بعد الاعتزال، وإذا عدنا لمسجد «أبو بكر الصديق» فسنجد أنه استضاف إلي جانب الدعاة الرجال عددا من ألمع الداعيات النساء وأكثرهن تأثيرا بين نساء الشرائح العليا من الطبقة الوسطي المصرية، وهناك ألقت نساء مثل «شيرين السحار» و«شيرين حافظ» ود. «ماجدة عامر» علي نظيراتهن من النساء المصريات دروسا في موضوعات متعددة بدءا من كيفية تربية الأطفال وتزويج الفتيات علي النهج الإسلامي وليس انتهاء بالإعجاز العلمي للوضوء، وكيف أنه يقوي الجهاز المناعي للجسم. الداعيات النساء ظاهرة هامة للغاية لكنها تبقي جملة اعتراضية حتي ننتهي من استعراض الجيل الثالث من الدعاة الرجال.

والحقيقة أنني كنت أعتقد أن ظاهرة خروج الدعاة الجدد من مساجد معروفة بالاسم في جنبات الأحياء الراقية هو محض مصادفة، أو ربما بسبب حماس القائمين علي إدارة هذه المساجد وجمهورها لذلك النوع من الدعاة، ولكن الأمر لم يكن كذلك ففي شهادته المسجلة معي حول واقع الدعوة الجديدة في مصر نبهني الشيخ خالد عبدالله إلي أن تركز الدعاة في مساجد بعينها يكون بناء علي طلب من الجهات الإدارية والأمنية التي يبدو من الأفضل لها أن تبقي الدعوة الجديدة تحت السيطرة.

ولعل ظهور الجيل الثالث من الدعاة عبر الخطابة في ذات المساجد، وإصدار شرائط الكاسيت من نفس الشركات، والظهور في نفس القنوات الفضائية، لعل في هذا إشارة أو دليلا كافيا علي أنه ظاهرة تتسع وتنمو باطراد وسرعة مدهشين، ومن الجيل الثالث من الدعاة استوقفتني أسماء مثل خالد عبدالله ود. ياسر نصر. «وأجد نفسي هنا مطالب بفتح قوس لأقول إن الجيل هنا يفقد دلالته المتعارف عليها «جيل كل عشر سنوات» فبسبب سرعة نمو الظاهرة فإن الفارق بين الأجيال لا يتعدي سنتين، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض من يعرفون طريقهم للشهرة لاحقا قد يكونون أكبر سنا من أولئك الذي سبقوهم للشهرة والتأثير ومن ثم تم اعتبارهم بمثابة جيل سابق».

 

قارئ من مدرسة مختلفة

من بين الموجة الثالثة من الدعاة، فإن الشيخ خالد عبدالله يبدو الاسم الألمع والأكثر شهرة، وقد قدم لي ـ في حوار سجلته معه في يونية 2004 ـ شهادة شجاعة عن الدعوة الجديدة في مصر، ومثل غيره من الدعاة الجدد، فإن خالد عبدالله الذي بدأت شعبيته في التزايد بعد سفر عمرو خالد إلي لندن.. فإن خالد عبدالله لم يتلق تعليما دينيا: فالداعية ذو الأسلوب الساخر والروح الكوميدية من خريجي كلية الهندسة جامعة القاهرة، وهو مثل الكثيرين من أقرانه في النصف الثاني من ثلاثينيات عمره، وبخلاف الكثيرين من أقرانه الدعاة، لم يدخل حقل الدعوة الجديدة علي أرضية الانتماء للإخوان المسلمين. فقد اكتشف في مراهقته أن صوته جميل وأنه يجيد قراءة القرآن وعلي ما يبدو فقد بدأ رحلته للالتزام الديني علي يد جماعات السلفيين الذين ينتشرون في مساجد الأحياء الشعبية. لكنه سرعان ما طوّر موهبته كقارئ للقرآن وتعلم أحكام التلاوة علي يد شيوخ المساجد ليعمل وهو مازال طالبا كقارئ قرآن.. لكنه قارئ مختلف أو كما يقول هو: «كانوا يتهمونني بأنني أقلد الشيخ محمد جبريل.. مع أن الشيخ جبريل له مدرسة مستقلة وهكذا كان خالد عبدالله قارئا من مدرسة مختلفة عن تلك المدرسة التقليدية التي يعلي فيها القراء الكبار من شأن الصفة علي حساب الإحساس، فمع سنوات التسعينيات أصبحت هناك مدرسة مختلفة للقراءة، تتكون من مزيج من الإحساس العالي الذي يصل دائما إلي درجة البكاء وإبكاء المصلين، بالإضافة إلي مزيد من التأثر بأسلوب مشاهير القراء غير المصريين ـ السعوديين خاصة ـ كانت هذه المدرسة تقوم أيضا علي مزيد من التفاعل مع الآيات القرآنية: الفرح في الآيات التي تتحدث عن الجنة والبكاء في الآليات التي تتحدث عن النار.. وهكذا كان القارئ الشاب تلميذا في هذه المدرسة، ولعل الحوار مع خالد عبدالله يكتسب أهميته ليس فقط من تدفقه في الحكي، ولكن باعتباره شهادة علي كيفية انتقال داعية شاب من هامش الدعوة الجديدة إلي القرب من مركزها خلال ثلاث سنوات، وهو يعطي مؤشرا مهما حول مدي احتياج الجماهير المحافظة بطبيعتها لمزيد من الدعاة الجدد، وكما روي فقد بدأت علاقته بالقصة من خلال مصاحبته لعدد من الدعاة الجدد أثناء إلقائهم دروسهم، هم يلقون الدرس وهو يصلي بالناس. هكذا حدث مع الداعية الأقدم عمر عبدالكافي في مساجد الدقي، وهكذا حدث في مسجد الحصري مع دعاة آخرين أشهرهم عمرو خالد، «كنت أجلس لأسمعهم في الدروس، بينما أصلي بالناس.. المغرب والعشاء.. وكان هذا تقليدا جديدا وقتها، كانوا يريدون أن يكون الدرس مؤثرا في الناس ـ والصلاة كذلك ـ كان الهدف أن يخرج المصلي من الصلاة ثم من الدرس بشحنة روحية طيبة.. كانت الفكرة أن يسمع الناس درسا عن الصبر مثلا وفي الصلاة يسمعون الآيات التي تتحدث عن الصبر»، كان ذلك في نهاية الثمانينيات.. أو سنوات مخاض الدعوة الجديدة.

 

التشابه والاختلاف

يتشابه الدعاة الجدد في أشياء ويختلفون في أشياء أخري، يتشابهون في طبيعة التعليم المدني والانتماءات الاجتماعية للجمهور، وطبيعة الموضوعات التي يطرحونها.. ويختلفون في الهدف من ممارسة الدعوة.. الذين جاءوا من خلفية انتماء سياسي يهدفون إلي تغيير المجتمع من خلال تغيير سلوكيات الفرد، وهم في الغالب من الإخوان السابقين الذين قرروا في مرحلتهم الجديدة أن يؤمنوا ببعض ما يقوله الإخوان. وأن يكفروا بالبعض.. وكان مما آمنوا به من دعوة الإخوان أن تغيير المجتمع يأتي من تغيير سلوكيات الأفراد، وكان مما كفروا به هو الواجب السياسي علي الأخ المسلم «الانتماء للجماعة والانغماس في اللعبة السياسية في المواقع المختلفة» كانت الملاحظة الأساسية أن من يطمحون لتغيير حقيقي هم غالبا من أبناء الطبقة التي يتوجهون لها بالدعوة.. الطبقة الوسطي وشرائحها العليا، بينما كان البعض يمارس الدعوة من أجل ممارسة الدعوة.. أو كما يمكن وصفه بأنه واعظ بأجر.. وكان أشهر هؤلاء هو الشيخ خالد الجندي.. ولسبب ما أصبحت أميل إلي تصنيف خالد عبدالله ضمن هذا النوع من الدعاة.

هكذا كان يمكنني أن أسأله.. هل أنت من أبناء التيار الإسلامي المنظم؟.. يجيب بثقة: «إطلاقا والحمد لله.. أنا لا أذم في هؤلاء الناس.. ولكن ليس لي اتجاه من أي نوع.. لست سلفيا.. أو إخوانيا.. أو صوفيا.. أو تبليغ ودعوة.. وحتي في أيام الجامعة لم تكن الدراسة.. وظروف المنزل تسمح لي أن أنضم لأي جماعة.. كان علي أن أنجح وأجتهد.. رفضت الانضمام لأي جماعة.. وقررت أن آخذ من كل جماعة أفضل ما فيها.. قررت أن أكون توليفة لأجد نفسي مُسلما.. معتدلا.. لطيفا.. أعيش وفقا لقاعدة الوسطية». إجابة توفيقية.

 

صناعة الداعية النجم

ولكن كيف تصنع طبقة الصفوة دعاتها؟.. تأتي الإجابة: «في عام 1998 ظهرت قضية غياب كثير من الدعاة عن الساحة.. إما لظروف سياسية.. أو أمنية.. بعضهم سافر.. في ذلك الوقت كان عمر عبدالكافي قد بدأ يختفي من الساحة، وتباعدت المرات التي يخطب فيها حازم إسماعيل.. وأصبح هناك نوع من القيود علي الدعاة.. ظهر نوع من القلق.. والمشاكل مع الأمن.. وقتها كنت أسكن في منطقة سليمان جوهر بالدقي.. المنطقة الشعبية في الحي الراقي وكانوا يريدون أحدا ليخطب الجمعة في مسجد أسد بن الفرات بدلا من عمر عبدالكافي هكذا بدأت بتحضير الخطب.. والخطابة.. المهم أنني صعدت علي المنبر ووجدت استحسانا كبيرا وبدأت الدنيا تكبر معي.. وأصبح لي مريدون.. لم أقل إنني عالم فأنا لا أمت للعلم بصلة ولكنني ناقل جيد.. ومعبر جيد عن أفكاري».

 

الصالون الإسلامي

من بين ظواهر.. ومظاهر الدعوة الجديدة في مصر.. كان الصالون الإسلامي يبدو طقسا مُحيرا.. سهرات تمتد من المغرب إلي ما بعد العشاء، حيث يجمع الداعي مجموعة من أصدقائه.. الرجال والنساء.. في المنزل غالبا ما يتم الفصل بين الجنسين تجلس النساء في الغرف الخلفية.. أو في جزء مفصول من قاعة الاستقبال.. غالبا ما يتم الاستعانة بسماعة داخلية يتم وضعها في المكان الذي تقيم فيه النساء.. مع الدرس يكون هناك دائما بوفيه للعشاء إذا كانت الدعوة مساء، وفي بعض الأحيان وفي الدروس الصباحية النسائية، ربما يشمل البوفيه الشاي فقط مع بعض المخبوزات والحلوي، غالبا ما تشمل الدعوة التي يقدمها صاحب البيت لحضور الدرس تحديدا لاسم المطعم، أو الفندق الذي سيجلب منه المأكولات، ربما في نوع من الإغراء بالحضور، وصف الصالون الإسلامي بشكل عام ومجرد، يوقعك في نوع من الحيرة، فهو يحتمل جميع التفسيرات.. من أكثرها جدية.. أشخاص مؤمنون يجتمعون في نطاق من الخصوصية والبعد عن العلنية ليتلقوا دروسا في دينهم، في أكثرها خفة.. أثرياء فاخرون يتظاهرون بالتدين ويقلدون موجة انتشرت في بيوت الأثرياء والأغنياد الجدد انتشار النار في الهشيم، والحقيقة أنه لا يوجد تفسير واحد لظاهرة الصالون الإسلامي، سوي أنها أحد تجليات التدين خارج نطاق المؤسسات الدينية التقليدية، إنه تدين خاص.. أو تدين قطاع خاص.. ولفترة طويلة كان الاعتقاد أن ما يقال في دروس البيوت أو الصالونات الإسلامية يختلف عما يقال في المساجد.

 

الهاي كلاس

لكن الحقيقة أن مضمون ما يقال واحد.. وبحسب شهادة خالد عبدالله فإن الدروس الدينية في البيوت ظهرت بسبب التضييق الذي تم من الجهات الأمنية في بعض الفترات علي دروس المساجد.. وهي زاوية جديدة لا يمكن إغفالها.. ومن وجهة نظر عبدالله الذي يمكن باطمئنان اعتباره شاهدا من أهلها، فإن هناك سببين وقفا وراء ظاهرة الصالونات الإسلامية أو دروس البيوت، السبب الأول: هو أن هناك طبقة جديدة أو صفوة جديدة أصبحت في حالة شغف بسماع الدروس الدينية، هذه الطبقة يسميها هو «الهاي كلاس».. هؤلاء يريدون تلقي دروس العلم لكن ليس لديهم الوقت الكافي.. أو الرغبة في الذهاب إلي المسجد وسط العاديين من الناس!.. ويواصل خالد عبدالله: كان هناك من يشكون من رائحة الأقدام في المساجد.. كانوا يتضايقون.. «وكانت هناك هذه القصص التي يقوم بها أبناء الذوات!.» ويواصل: «ظاهرة دروس البيوت انتشرت عقب لمعان نجم عمرو خالد، لأنه بعد أن بدأت مرحلة نجوميته بدأ يدعي لبيوت كثيرة جدا، وكان الجميع يتسابقون لحضور الدروس التي يلقيها في البيوت حتي غير المتدينين، كان الجميع يفعلون ذلك من منطلق التباهي والمنظرة» .. ويواصل في حنق: «كنت كلما قابلت شخصا أو تعرفت عليه يقول لي: لي الشرف أني كنت أول من استضاف عمرو خالد في بيته».. ويكمل: «أهلا وسهلا ولكن ماذا في هذا؟.. عمرو خالد من الممكن أن يذهب لأي بيت يدعي له»، ويواصل: «كان يخطب في مسجد دعوة الحق، بينما أنا كنت أصلي بهم التهجد.. وبيني وبينه علاقة طيبة.. ولكن انفصلنا عن بعضنا البعض نهائيا بعد أن بدأ نجمه يبزغ كما يقولون».. يضيف خالد عبدالله:

 «أستطيع أن أقول لك أن السبب الأول لظهور الصالونات الإسلامية هو تفاخر صاحب الدعوة باستضافة الداعية.. علي طريقة في بيتنا نجم».

قلت: لكن التفاخر لا يكفي سببا لاستمرار ظاهرة وانتشارها لهذا الحد.. ويعلق الداعية الشاب:

ـ «بالطبع هناك آخرون كانوا يعتبرون هذا نوعا من الدعوة إلي الله.. شخص يتدين ويريد أن يستقطب أسرته والمحيطين به للتدين، يوجه الدعوة لأقربائه.. وأصدقائه.. ويترك لصاحب الدرس فرصة إقناعهم بأسلوبه المؤثر».

وهكذا سنجد أن التضييق الأمني.. والرغبة في التفاخر.. والرغبة في هداية العائلة.. ثلاثة أسباب يلخصها الداعية لانتشار الصالون الإسلامي.. لكنه يضيف سببا رابعا «هناك سبب آخر هو أن رجال الأعمال الكبار لم يكونوا يريدون أن يترددوا علي المساجد.. كانوا يشعرون أن هذا قد يسبب لهم مشاكل.. ويعرضهم للرصد من قبل أجهزة الأمن.. كان هناك احتمال لأن يتم تصنيف رجل الأعمال كصاحب فكر معاد للدولة.. ورجال الأعمال لا يريدون هذا.. والحل هو أن يقيم رجل الأعمال حفل عشاء.. وأن يأتي له الناس في منزله.. رجل الأعمال له مصالح وأعمال ويخاف أن يحسب علي تيار بعينه».

 

عندما يضحك الرسول «صلي الله عليه وسلم»

ربما تكون النقطة الأهم في شهادة الشيخ خالد عبدالله أنها شهادة صادقة عن كيفية صناعة داعية من قبل جمهور متعطش لمن يقوده ويلعب معه دور المرشد الروحي والمعلم الاجتماعي.. وهو يواصل شهادته قائلا:

ـ «ما حدث هو أنني بدأت أذهب للبيوت.. بعض الناس قالوا لي كان يأتي لنا عمرو خالد.. لكنه انشغل أو سافر.. فهل يمكن أن تأتي لنا؟. طبعا كنت أرحب جدا.. ولكن عن ماذا أتكلم!.. أتحدي لو جاء لي أحد بدرس تكلمت فيه عن الاستنساخ أو فقه الزواج والطلاق.. أو عن شيء من هذه الأشياء.. لأنها لا تشغلني.. أنا لي دروس كثيرة.. أتحدث فيها عن حقوق الأخوة وحق الجار وحق الزوجة.. حق الله.. وهكذا.

تكلمت أيضا عن الأخلاقيات أتحدث عن الصبر، وعن السماحة، وعن التواضع، وبعد ذلك دخلت في حياة النبي «صلي الله عليه وسلم».. وحضَّرت درسا عن مواقف ضحك فيها النبي «صلي الله عليه وسلم»، وحكيت للناس عن مواقف من السيرة كان الصحابة فيها «بيعملوا إيفيهات» في حضرة النبي «صلي الله عليه وسلم».. وكان يضحك منها.. وأحد هذه المواقف ظل يضحك فيه سنة.. «كنت أتحدث أيضا عن مشاكل الأبناء ومشاكل الزوجات، وأعتقد أن قربي من سن الشباب وفهمي للغتهم جعلني أقدر علي مخاطبتهم.. فبدأت أحس أن لي دورا مهما جدا».

< لكن ما هذا الدور الذي يريد الدعاة أن يلعبوه؟!

ـ «نريد أن نعد البيت العربي المسلم لكي يكون له أولويات، الآن كل اهتمام الآباء هو أن يلحقوا أطفالهم بالمدارس الأجنبية، وبعدها دبلومة الـ (S.N.M) والأشياء التي ظهرت في هذه الأيام.. ولكن الآن أصبحت أتحدث من منظور أننا نريد أن نعيد للبيت دوره الإيجابي».

< كيف سارت الأمور بعد ذلك؟

ـ «بدأت أدخل البيوت وللحقيقة كان هناك سلبيات وإيجابيات، ومن السلبيات أن الباب أصبح مفتوحا لأي شخص يريد أن يتناول عشاء فاخرا، وهذا حدث أمامي.. لدرجة أن صاحب بيت قرر يغلق بيته تماما أمام الدروس بعد هذا الموقف.. سمع بنفسه سيدة كانت تحضر الدرس وبعد العشاء، قالت لجارتها هل هذا هو العشاء؟!.. كانوا يقولون إن العشاء فاخر.. لكنه ليس هكذا؟!.. طبعا الرجل حزن جدا لأن هذا لم يكن غرضه إطلاقا من الدعوة للدرس.. وهو لم يعد لاستضافة الدروس مرة أخري».

«للحقيقة أيضا أنا من واقع خبرتي لم أحب دروس البيوت، لأنه لو جلس الرجال والنساء يستمعون معا للدرس، يقال إن هناك اختلاطا، ولو فصلنا الجنسين يقولون إن الرجال يتطلعون نحو المكان الذي تجلس فيه النساء، ولو أدخلنا النساء في غرفة النوم وأقمنا فاصلا يقولون لنا لماذا تعقدون الأمور.. هذه الدروس فيها مشاكل كثيرة».

 

حالة ارتباك

بعيدا عن محاولة اقتناص إدانة أخلاقية لسلوكيات الصالون الإسلامي، فإنني أعتقد أن المشهد السابق يصف حالة ارتباك لدي جمهور يريد أن يصبغ سلوكه العادي بصبغة تدين، ويريد أن يجري عملية تحويل لحفلات الاستقبال العادية يحملها صالونات دينية.. ولأن ما يحدث.. يحدث لأسباب متنوعة ومتراوحة ما بين الرغبة الحقيقية في الالتزام بنمط جديد للحياة لدي البعض، وما بين مجاراة الطقوس الجديدة لدي البعض الآخر يحدث الارتباك، ويحتار الرجال هل يغضون البصر، أم يطلقونه تجاه نساء الصالون الناعمات، وهل يفصلون النساء عنهم في المجلس أم لا؟

المفارقة أن الغالبية العظمي من جمهور الصالون الإسلامي من المهنيين، ورجال أو سيدات الأعمال والعاملين في فروع الشركات العالمية، وعدد كبير من السيدات اللاتي ينتمين لجمهور الدعوة الجديدة، يعملن بنفس الوظائف، لسن ربات بيوت بعضهن طبيبات ومدرسات جامعيات ومهندسات، وهكذا يمارس أعضاء النخبة الجديدة الاختلاط في أماكن ومكاتب العمل.. لكنهم لا يمارسونه في صالونات المساء، هكذا يقضي قطاع واسع من النخبة الجديدة في مصر نهارات علمانية وأمسيات دينية.

< هل هناك ملاحظات أخري علي الدروس؟!

ـ «هناك أيضا مساحة للتفاخر والمظهرة.. فبعض الناس يتفاخرون بالملابس وقصّات الشعر.. وهناك نساء يأتين بالحجاب المتبرج.. مكياج.. وكوافير.. واستعراض للثقافة الدينية.. دروس البيوت أيضا يكثر فيها الغيرة والتسابق بين الناس علي استضافة الدروس».

 

شيوخ ضد التظاهر

أحد أبرز التفسيرات التي نحاول الإجابة عن سؤال كيف ظهر تيار الدعاة الجدد؟.. هو التفسير الذي يقول إن الدولة وأجهزتها الأمنية علي وجه التحديد لعبت دورا في إطلاق هؤلاء الدعاة الذين يمكن وصفهم ـ من وجهة النظر الأمنية ـ بالمعتدلين، فهم لا يحرضون علي العنف ولا يسعون له، فهم معتدلون بالمقارنة بالجماعات الراديكالية العنيفة التي كانت قد وصلت لذروة المواجهة مع الدولة ومع المجتمع، كان ذلك في أواخر الثمانينيات وطوال سنوات التسعينيات.. وهي السنوات التي تكونت فيها ظاهرة الدعوة الجديدة.

لكن ذلك لم يكن كل شيء.. يمكن القول إن الأجهزة الأمنية تغاضت عن نشاط الدعاة الجدد.. لكنها لم تصنعهم.. كان هناك عوامل اجتماعية وسياسية أقوي هي التي صنعت الظاهرة وسمحت لها بالنمو بكل هذا الاطراد، والحقيقة أن هناك عوامل أكثر أصالة في بنية الظاهرة نفسها تفسر استمرار ظاهرة الدعاة الجدد، وهناك عوامل أخري خلقت هذه الحالة من التناغم المرحلي والظاهري.. ربما بين ما هو قائم أمنيا وسياسيا واجتماعيا وبين الدعاة الجدد، ولعل أهم هذه العوامل هو الانتماء الاجتماعي للجمهور.. هؤلاء الصفوة من أبناء الشرائح العليا للطبقة الوسطي والمنضمين إليها من الأغنياء الجدد.. والعائدين من الخليج، والشبان الذين اكتسبوا مهارات جديدة من خلال تعليم متميز كفل لهم مزيدا من المقاعد في قطار الصعود الاجتماعي.. هؤلاء ليسوا في حاجة لتغيير النظام القائم، ربما لأن لهم مصلحة كبيرة في استمراره، هم أيضا غير مقتنعين بذلك الفهم الرسالي والثوري للإسلام والذي يدعو إلي تحطيم المؤسسات والبني القائمة وإزالة الركام من أجل إقامة يوتوبيا جديدة، كان هذا هو التصور السائد في صفوف الحركة الإسلامية في السبعينيات، وكان بشكل أو بآخر امتدادا لأحلام تغيير العالم التي سيطرت علي أذهان عشرات الآلاف مع اندلاع ثورة الطلبة 1968، ومثل كل شيء له ثمن فإن ثمن التمرد والصدام كان فادحا، كما أن هذا الرفض العنيف والغاضب يتناسب أكثر مع الشبان الفقراء في الصعيد والمهمشين في المدن الكبري، أما أبناء النخبة الجديدة فيلزمهم خطاب آخر.. يوفر لهم تدينا بلا خسائر.. وهو ما حدث بالفعل مع مكاسب إضافية، وعلي المستوي الشخصي فإن الأفراد الذين يكونون هذا الجمهور ليسوا علي استعداد لتقديم تضحيات شخصية جراء التصادم مع السلطة.. هم مهمشون سياسيا متحققون اقتصاديا، وهم يريدون تدينا معتدلا.. والاعتدال هنا بالنسبة لهم هو البعد عن السياسة.. فضلا عن أشياء أخري مثل تهميش بعض القراءات التي تُعلي من شأن الزهد والبعد عن التكالب علي الدنيا لحساب قراءات أخري تعلي من شأن الثروة.. وتتحدث باعتزاز عن الصحابة الأغنياء الذين سخروا ثرواتهم لخدمة الدين والإعلاء من شأن الإسلام.

هكذا يمكن فهم علاقة شيوخ الدعوة الجديدة بالسياسة وبالسلطة.. فعندما تفجرت انتفاضة الأقصي صدم عمرو خالد بعض جماهيره، حين أعلن رفضه للمظاهرات. وقال إنه يفضل استخدام سلاح الدعاء.. خاصة الدعاء في أوقات السحر.. وقد اقترح عمرو علي جمهوره أيضا أن يخصص كل منهم يوما في الشهر يصوم نهاره، ويقوم ليله من أجل القدس، علي أن يكون اليوم المقترح للصوم هو الخميس الأول من كل شهر.. وعمرو أيضا أعلن أن القدس لن تتحرر إلا بعد أن يغالب كل واحد من المسلمين شيطان نفسه.. ويمتنع الشباب عن السلوكيات الخاطئة مثل مصادقة الفتيات دون إطار شرعي.. كان يري أن قضية القدس لن تحل إلا عندما يصبح عدد من يرتادون المساجد في صلاة الفجر مساويا لعدد من يرتادونه في صلاة الجمعة.. وبجانب الحض علي التمسك بالفضائل الأخلاقية والتدين الفردي كوسيلة لحل قضية فلسطين، اقترح عمرو علي جمهوره أن يزيد من حملات مقاطعة البضائع الأمريكية، و&