|
تدعونا هذه الازمة إلي تشكيل مجلس أعلي
للاديان من رجال حكماء سياسيين ورجال دين، لكي يواجه
بشجاعة التجاوزات التي تشتكي منها الجماعة المسيحية
وينظر في "مظلمتها " وتكون له قوة الإرغام القانونية
والقضائية.
ـ يمكن أن نجعل فوائد هذه الأزمة أكثر
من أضرارها
ـ قضية وفاء قسطنطين بين النموذج
اللبناني والعلاقة بين الدين والدولة والأمن
* الأزمة قديمة وازدادت حدتها مع
ازدياد حدة المواجهة بين المعسكر الأصولي المسيحي
الغربي والأصولي الإسلامي * غياب الحياة السياسية
الديمقراطية ساهم في تحويل الكاتدرائية إلي ما يشبه
حزبا سياسيا للأقباط * البابا شنودة يقول دائمًا إنه
لا توجد أقلية قبطية وأن مصر تسكن «فينا».. لكن الأزمة
الأخيرة كشفت ما يسكن في العديد من نفوس المصريين *
كيف تحول الدين فجأة إلي وطن؟.. وكيف صارت الكنيسة هي
بيت الأمة؟
رءوف مسعد
قررت ان اصدق بيان النائب العام الذي
اثبت صدق حدسي في حجم الازمة التي سببتها السيدة وفاء
بدون قصد بالتأكيد.
لماذا يصدق واحد مثلي مسيحي الميلاد
والمنشأ تصريحات النائب العام ولا يصدق تصريحات"
الاباء" وليس لي مطمح سياسي او تملق عند جهة ما ؟ فما
انا الا واحد من الذين يعيشون في الخارج من فترة طويلة
ومن الذين تطلق عليهم وسائل الاعلام المصرية اصطلاح
اقباط المهجر.. مع اني لم "اهاجر" هربا بديني او بحثا
عن مغنم اقتصادي، او علمي.
ولكن كان هناك بضعة ملايين مسيحي مصري
صدقوا تصريحات "الاباء" وقلة مثلي.
اثبتت المعلومات الاخيرة بعد ان انفض
المولد، بانه لم تكن هناك ضغوط او اغراءات علي السيدة
وفاء. وعلي اية حال نجد ان الدولة تكفل للراغب في
اشهار الاسلام "حق النصح والإرشاد" من جماعته المسيحية
بواسطة الكهنة، في مبني من مباني الامن او الشرطة.
ومع ان المادة 46 من الدستورتقول "
تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر
الدينية" الا ان الدولة نتيجة لتاريخ طويل ومعقد من
الشكوك والحساسيات بينها وبين المؤسسة المسيحية
والمسيحيين،اعطت المؤسسة المسيحية، الحق بلقاء الراغب
في اشهار الاسلام و"اسداء النصح والارشاد له" اي
محاولة ثنيه عن اشهار اسلامه.
الآن بعد ان تمخض الجبل ولم يلد شيئا،
ثبت ان الضغوط المكثفة تمت ممارستها من جانب الكنيسة
علي الأمن وعلي السيدة وفاء، التي "قبلت " النصح
والارشاد بعد سبعة ايام من الجلسات المكثفة مع
القساوسة.
لكن ازمة السيدة وفاء تطرح اسئلة
مسكوتا عنها. لماذا اصبح مجرد رغبة شخص (او سيدة) قبطي
في اعتناق الاسلام سببا للتظاهر واطلاق شعارات فجة
وقبيحة تهز مشاعر المواطن العادي وتسيء اليه مسيحيا
كان ام مسلما؟
لماذا اخفي بعض الاباء الحقائق رغم
علمهم بها بل وغيروها ؟ لماذا اصبح التظاهر داخل
المؤسسات الدينية الاسلامية والمسيحية ظاهرة متزايدة
وملفتة للنظر؟
فليس سبب الآزمة هو رغبة السيدة في
اعتناق الاسلام..انه احد مظاهر الازمة.
الأزمة قديمة
الازمة قديمة وتظهر دائما بوضوح وحدة
متشابكة مع الصراع العالمي الدائر في منطقة الشرق
الاوسط وتزايد حدة الصراع السياسي الذي يتخذ طابعا
دينيا،بين الاصوليين المسيحيين الغربيين والاصوليين
الاسلاميين.
شاهدنا "افطار" الوحدة الوطنية
الرمضانية، الجميع يبتسمون ويعانقون بعضهم ويعلنون ان
الوحدة الوطنية اقوي من الجميع.
وهكذا بدلا من اعلان المشاكل بشجاعة
وحلها بشجاعة ايضا، تعلق المشاكل ـ حينما تنفجر ـ علي
شماعة الصهيونية والامبريالية العالمية.
بدلا من المواجهة نلجأ إلي التخوين
ونظرية المؤامرة.
بدلا من ان نتساءل، لماذا "يستقوي" بعض
مسيحيي الشرق بدول مسيحية في الغرب؟ نتهمهم بالعمالة
مع اننا نعرف الاجابة التي تقول بدون مواربة ان بعض
الانظمة الحاكمة وجدت ان من مصلحتها "مسايرة "
الآسلاميين المتعصبين اخذا بالاحوط اي انتزاع "شرعية"
الحكم الذي لم يأت نتيجة انتخابات ديموقراطية.
وبالتالي اغماض العين عن التجاوزات التي تحدث والتي
تتصيدها الاشاعات فتضخمها وتحولها الي "اضطهاد".
وهكذا..نتيجة لغيبة الحياة السياسية
الديموقراطية باحزابها وبتبادلها السلطة تحولت الكنيسة
إلي "راع" لمصالح الاقباط المدنية والسياسية وخلطت
الدين بالسياسة، والسياسة بالدين، خلطا بدأته الدوائر
السياسية الرسمية نتج عنه احساس المواطنين المسيحيين
بانهم ليسوا علي قدم المساواة مع غير المسيحيين.
فيكون ملجأهم الوحيد والآخير هو
الكنيسة.
وهكذا تتحول ادارة ازمات الوطن من ايدي
السياسيين إلي رجال الآمن ورجال الدين (!) وبالتإلي لا
يتم، حل جذور المشكلة، بل اصدار قررات عليا لحل مشكلة
طارئة.
هذه الازمة كشفت عن هشاشة العلاقة بين
المؤسستين الدينية والامنية لأن كلا منهما حاولت ان
تقوم بدور ليس لها. فالمؤسسة الدينية المسيحية ظهرت في
هذه الازمة كأنها هي التي تمسك بزمام الامن وتسيره
وتساومه . وظهر الامن كأنه يتحمس إلي اضافة سيدة واحدة
إلي الاف الملايين من المسلمين.
النموذج اللبناني
والآن تنادي الدولة "بالاصلاح" لكننا
لم نسمع عن اصلاح الحال الحساس والهش بين الدولة
والكنيسة التي اعتبرت نفسها الممثل الشرعي لأقباط مصر.
من الاهمية ان يتم حل هذا التشابك في
حساسية العلاقة بين الكنيسة القبطية، والدولة.
من الاهمية القصوي ان تتأطر علاقة
الكنيسة بالدولة في اطرها الصحيحة. فلا يجب ان تتحول
الكنيسة إلي " الصوت السياسي " للمسيحيين في مصر. فنحن
لسنا لبنان. فما يقوم به البطريرك الماروني الاب صفير
في لبنان من دور سياسي مهم ومؤثر، ليس له مكان هنا في
مصر نتيجة للاختلاف الجذري بين التركيبة اللبنانية
والتركيبة المصرية للشعبين.
يقول البابا شنودة دائما انه لا توجد
اقلية مسيحية في مصر وينادي بأن "مصر تسكن فينا" وهذا
كله حسن لكن الازمة الماضية اظهرت "ما يسكن" في العديد
من نفوس المسيحيين المصريين، هو الشك في مؤسسة ألامن
واعتقادهم بوجود تواطؤ من اجهزة الدولة ضدهم.
وها قد ثبت ان فردأ واحدأ مثل السيدة
وفاء تستطيع ـ دون ان تقصد بالطبع ـ ان تسبب في جرح
واصابة 55 من رجال الامن واعتقال 34 قبطيا بالاضافة
إلي الخسائر في الممتلكات.
وظهرت نظرية المؤامرة اياها فالشعب
المصري اصيل وعظيم ومتوحد في نسيجه التاريخي لولا
اولاد الحرام..الخ
لكننا نجد انفسنا امام ظاهرة جديدة
تماما. العنف الموجه من الشباب في الكاتدرائية ضد رجال
الامن.العنف ضد الصحفيين.. ثم ظاهرة اشد غرابة وهي
اعلان المتظاهرين من فناء اكبر واهم مؤسسة قبطية في
مصر انهم "اقلية" وطالبوا بحماية الدول الكبري (!)
سيقول البعض انهم مجرد بضعة مئات، لكن
هذا البعض لم ير ولم يسمع تعاطف "الشارع القبطي" معهم
ومع شعاراتهم القبيحة.
فالقبطي المتحرك في الشارع العام، وفي
الميكروباسات والاتوبيسات، سيجد نفسه امام شارع مسلم
(!) يزخر بالاشاعات عن تنصير فتيات مسلمات بالحيلة
وبالتهديد ؛ شارع تعشش فيه شرائط الكاسيت المذكية
للعداء "للنصاري والصليبيين " بل ان بطاقة الهوية
الرسمية تكشف الانتماء الديني لطالب قضاء الحاجة في
المصالح الحكومية او حتي في القطاع الخاص.
الشارع القبطي يواجه الشارع العام
المسلم بالانكفاء علي الهوية الدينية، بعشرات النكات،
مثلها مثل انتشار ظواهر التدين الاسلامي،وعشرات النكات
التي يتداولها المسلمون عن الاقباط.
كلنا نعلم ذلك وكلنا نحاول التقليل من
امره، دون ان نصغي إلي نبض الشارع أو تحميل "الأنت"
مسؤولية حماية الوحدة الوطنية والكنائس بقوة السلاح!
بيت الأمة
من المؤكد ان الافرازات الاصولية
الاسلامية ـ السياسية في المجتمع افرزت في المقابل
تجمعات اصولية مسيحية. هذه وتلك تجمعات موجودة في كل
المجتمعات وان اختلفت مقاصدها الدينية ـ السياسية.
..لكن القانون المدني في الغرب، هو
الذي يحكم حركاتها. فالمظاهرات مسموح بها مادامت قد
حصلت علي الاذن بالتظاهر وغالبا ما تحصل عليه (مثل
المظاهرات في فرنسا لرفض قانون غطاء الرأس في المدارس
الحكومية) وليس مسموحا لدور العبادة علي انواعها ان
تكون مكانا للعمل السياسي بكل اشكاله.
لكن اعتبار "الشباب القبطي" ان
الكاتدرائية هي بيت الامة يلتجأ اليها صارخا شاكيا
متظاهرا، هو ميلاد ظاهرة مرفوضة ؛ تحويل الدين إلي
وطن.
الفائدة المهمة من الازمة هي ضرورة
"فصل القوات" بين المؤسسات المختلفة وعدم الاشتغال
بغير ما هي مهيأة له. اي ان لا تعمل المؤسسة الدينية
اسلامية كانت ام مسيحية بالسياسة او "الأمن" وان لا
ينشغل الامن بالدين.
تدعونا هذه الازمة إلي تشكيل مجلس اعلي
للاديان من رجال حكماء سياسيين ورجال دين، لكي يواجه
بشجاعة التجاوزات التي تشتكي منها الجماعة المسيحية
وينظر في "مظلمتها " وتكون له قوة الارغام القانونية
والقضائية.
ان قوانين الزواج والطلاق في مجتمع مثل
مصر لا يجب ان تكون في ايدي المؤسسات الدينية فقط، بل
يجب ان يترك للراغب الحق في اللجوء إلي القانون المدني
دون ان تعاقبه الكنيسة "بالحرمان " وهي عقوبة باهظة
وثقيلة.
هذه هي واحدة من فوائد ازمة السيدة
وفاء. |