المسرح المصري في 2004 حصاد هزيل وانكسارات مؤسفة

شهد المسرح المصري في هذا العام انهيارا يثير الكثير من التساؤلات حول أسرار الأزمة ولما كانت المؤشرات تتجه نحو الهبوط والكيان المسرحي يكاد يفتقد كل ملامح الوجود، لذلك تأخذنا القراءة المبدئية لدلالات الواقع المسرحي إلي زاوية حرجة افتقد فيها هذا الكيان المتوهج أغلب حرارته ونبضه وتفاعلاته، حيث غابت الأصوات والأضواء والألوان ولم يتبق إلا الأصداء والظلال والانكسارات.

* انتحار بطيء لمسرح الدولة

 حتي لا ندخل دوائر التعميم الفضفاضة يصبح علينا أن نلمس الحقائق الموضوعية، فمن المعروف أن مسرح الدولة ينقسم إلي قطاعين هما: قطاع الدراما وقطاع الفنون الشعبية، فماذا عن إنتاج كل منهما؟

* البيت الفني للمسرح

 في بدايات 2004 قدم المسرح القومي «هاملت» شكسبير وهي من إعداد وإخراج الدكتور هاني مطاوع ورغم أن ميلاد هذا العرض الضخم كان مبهرا ومثيرا للجدل النقدي، إلا أن زمن عرضه لم يستغرق سوي شهر واحد، وأسدل الستار علي تجربة كان من الممكن أن تمتد وتجتذب الجمهور، لكن غياب إدارات التسويق يضع الفن في مواجهات حادة مع الفشل الذي يفرض وضع نهايات حاسمة وسريعة.

 تمضي شهور طويلة ومع نهايات الموسم الصيفي قدم القومي مسرحية «ليالي الأزبكية» التي أعدها الدكتور أسامة أبوطالب، وأخرجها الفنان سمير العصفوري، ويذكر أن ميلاد هذا العرض كان عسيرا حيث شهد العديد من الخلافات والتحديات التي أثرت بالسلب علي رونق العرض واكتماله.

ننتقل إلي المسرح الحديث الذي قدم في الموسم الشتوي الماضي مسرحية «جواز علي ورقة طلاق» للمؤلف ألفريد فرج، والمخرج أحمد عبدالحليم ورغم أن المسرحية قد أثارت العديد من الانتقادات الفنية وشهدت الكثير من اعتراضات المؤلف علي العبث بنصه، إلا أن خلافات نجمي العرض هشام عبدالحميد ووفاء عامر، كانت هي الأكثر حضورا، وتألقا حيث أصبحت مادة خصبة للصحافة الفنية وللكثير من البرامج التليفزيونية، وبالطبع أغلق العرض دون أن يحقق شيئا من أهدافه الفنية أو المادية.

مع بدايات الموسم الصيفي قدم الحديث مسرحية «قاعدين ليه» التي جاءت كإعداد عن نص المؤلف السوري، محمد الماغوط،أما الإخراج فكان للفنان حسام الدين صلاح، ويذكر أن هذا العرض قد حقق نجاحا ملموسا وجماهيرية واسعة وهو علي مستوي آخر يأتي كإجابة عن التساؤلات المطروحة بشأن غياب الجمهور حيث اتضح أن الدعاية، والتسويق والإدارة السليمة هي الوسيلة الفعالة لتخطي الأزمات المسرحية، ورغم أن هذا العرض قد تضمن الكثير من الأبعاد الفنية الغائبة إلا أن التجربة كانت ولاتزال ناجحة، وهي بالتأكيد نقطة تحول إيجابية في مسار الفنان سعيد صالح.

 شهد الموسم الصيفي أيضا مسرحية «الموضوع كبير قوي» للمؤلف أحمد هيكل، والمخرج مصطفي طلبة، وهي من إنتاج المسرح الكوميدي وقد أثارت هذه المسرحية ردود فعل سيئة حيث غاب عنها الجمهور، وهاجمها النقاد بسبب هبوط مستواها الفني وخروجها عن أطر المفاهيم العلمية للكوميديا، ويذكر أن هذا العرض أيضا قد دخل دائرة الخلافات المعتادة التي شكلت ظاهرة غريبة في مسرح 2004، فقد تصاعدت اعتراضات المؤلف وكذلك خلافات نجم العرض «وائل نور».

علي مستوي عروض القاعات قدم مسرح الغد للعروض التجريبية أكثر من عمل لم يحالفه النجاح، فيما عدا مسرحية «شيخ محضر» التي حققت شيئا من التفاعل النقدي والجماهيري وهي من إخراج سعيد سليمان، الذي قدم إعدادا مبسطا لمسرحية «عرس الدم» للمؤلف الإسباني لوركا.

 وفي إطار ظاهرة الخلافات الحادة شهدت نهايات هذا العام اعتراضات ثائرة للمخرج «حسن الوزير» بشأن بعض الأمور المالية المتعلقة بمسرحية يقوم بإجراء بروفاتها الآن علي مسرح الغد.

* قطاع الفنون الشعبية

كان هذا القطاع يمتلك حضورا فنيا متوهجا، شديد التفاعل مع الحركة المسرحية المصرية فهو يضم المسرح الغنائي العريق، فرقة رضا للفنون الشعبية، الفرقة القومية، فرقة أنغام الشباب، فرقة تحت 18، وفرقة الآلات الشعبية. ومن المعروف أن هذا القطاع الضخم يقدم عروضه علي مسرح البالون الذي أضاء ليالي القاهرة في الماضي القريب.. ولكن من المؤسف أن الزمن الحاضر يشهد ردة مخيفة وهبوطا حادا وانسحابا للأضواء والحركة والتفاعل.. إنها بلاشك مأساة تثير العديد من التساؤلات حول أسرار تجميد هذا الكيان الفني.. ورغم أن هناك الكثير من الخلل الإداري المتعلق باختلاط هوية فرق القطاع، إلا أن حالة الجمود والهبوط التي يكشفها إنتاج القطاع، تفرض التوقف والبحث.

 في بدايات 2004 قدم المسرح الغنائي أوبريت «يا ليل يا عين» من إعداد الشاعر إبراهيم عبدالرازق، ومن إخراج حسن سعد، أما التأليف فهو يعود إلي منتصف الخمسينيات حيث شارك فيه نجيب محفوظ، يحيي حقي، توفيق حنا، زكي طليمات، وعلي أحمد باكثير، ويذكر أن هذا العمل الفني كان يمثل حدثا فارقا في تاريخ المسرح المصري باعتباره ميلادا حقيقيا للفن الشعبي، وبداية لظهور الفنان محمود رضا وعندما عرض الأوبريت في بدايات هذا العام، وفقا لإعداده الجديد لم يحقق أي نجاح نقدي أو جماهيري وجاء مفتقدا للجماليات والركائز الفنية الأساسية، ويذكر أن الحالة المسرحية كانت باهتة وفاترة، وكان الاعتماد الكلي متجها نحو الغناء فقط، مع إهمال باقي العناصر الفنية، وقد شهد هذا العرض خلافات حادة لا نهاية لها.. انتهت بإيقافه.

 مع بداية الموسم الصيفي والسنة المالية الجديدة لم يقدم المسرح الغنائي أعمالا جديدة وتم عرض «يا ليل يا عين» في شهر يوليو بالإسكندرية وحتي الآن ومع اقتراب نهاية الموسم الشتوي لايزال المسرح مظلما بلا إنتاج وبلا خطة أو استراتيجية واضحة، ولايزال قطاع الفنون الشعبية عاجزا عن توظيف فرق الفن الشعبي مثل رضا والقومية والآلات الشعبية ضمن مشروع مسرحي ضخم يجمعها كلها.

بالنسبة لفرقة أنغام الشباب فإنها لم تقدم أي إنتاج جديد في عام 2004 ولكن تمت إعادة عرض الأطفال «عصفور خايف يطير» للمؤلف د. محسن مصيلحي، والمخرج د. عمرو دوارة وهو من إنتاج 2003 وكانت بطولته للفنان رضا الجمال، والفنانة انتصار ويذكر أن أسلوب التعامل مع عروض الأطفال يتم بأسلوب عشوائي بعيدا عن مفاهيم الفن، وعن آليات الحاضر وإيقاع الزمن بمعني أن المسرحيات لا تعرض بصورة  يومية متصلة، لكنها تظل مرهونة بحركة التسويق البطيئة، ويكفي أن نعلم أن الزمن الفعلي لثلاثين يوم عرض يستغرق عاما كاملا ولا تعليق.

أما فرقة تحت 18 فلم يكن لها أيضا أي إنتاج جديد، وتم إعادة عرض الأطفال «فلفل حيران» الذي أنتاج أنتج عام 2003 وحين نتساءل يصبح من المؤكد أن هناك خلطا مخيفا في هوية المسارح.

هذا هو حصاد قطاع الفنون الشعبية حصاد ضئيل وهزيل.. ولكن لاتزال هناك الأمنيات بتجاوز العثرات.

* مسرح التليفزيون

كان ميلاده مبشرا بوجود حركة متدفقة قد تبعث نوعا من الثراء في الحفل المسرحي ولكن يبدو أن التجربة قد وصلت إلي نهايتها ولم تحقق إلا الفشل. قدم مسرح التليفزيون مجموعة من الأعمال المسرحية مثل «نازلين المحطة الجاية» «يا غولة عينك حمرا» «مراية الحب» «عنترة بن شداد» وغيرها. ورغم مشاركة كبار النجوم إلا أن التجربة لم تحقق سوي الخسارة المادية والانسحاب الجماهيري.

وبعيدا عن مناقشة أسباب الخلل الفني والإداري شهدت نهايات 2004 استقالة الفنان عصام السيد من منصبه في مسرح التليفزيون.

* مسرح الهناجر

احتفظ الهناجر ببريقه، وصيغته الإدارية الناجحة وقدم العديد من التجارب المتميزة ويذكر  أنه في منتصف 2004 قدم المركز تجربة خاصة جاءت في إطار التعاون الثقافي بين مصر وأمريكا  وفي هذا الإطار شاهدنا مسرحية «بلدتنا» للمؤلف الأمريكي ثورنتون وايلدر والمخرج الأمريكي سث جوردون وفريق العمل المصري.. ولاتزال إنتاجات المركز مستمرة عبر الوعي الواضح بهوية هذا المكان الثقافي.

* مركز الإبداع

شهد هذا العام صعودا ملحوظا لتجارب الفنان خالد جلال مدير مركز الإبداع الذي أسهم في بعث حالة مسرحية متوهجة أثارت جدلا نقديا شديد الإيجابية عبر عروض الهواة المتميزة ولاشك أن المركز هو أحد الأحداث المضيئة في مجال المسرح لهذا العام.

أخيرا.. وداعا!!2004 وأهلا 2005

وكل الأمنيات الدافئة مع بدايات جديدة قد تحمل الكثير من الأحلام.

د. وفاء كمال

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002