|
* خذلنى الشارع
العربى .. ولكنى مازلت متفائلاً بالمقاومة ضد الهجمة الإمبريالية
* دبى منحتنى الحرية التى عجز تليفزيوننا الرسمى والخاص عن
توفيرها
أيمن الحكيم
يادامى العينين والكفين إن الليل زائل/ لا غرفة التوقيف باقية
ولا زرد السلاسل/ نيرون مات ومازالت روما بعينيها تقاتل.
لا أعرف لماذا رنت هذه الأبيات الدرويشية ـ نسبة إلى شاعرها
محمود درويش ـ المفعمة بالحماس والتحدى فى مخيلتى وأنا أصافح الإعلامى القدير
حمدى قنديل عندما التقيته فى دبى ـ البلد الذى حط رحاله فيها ـ بعد أن ضاقت
عليه الحرية فى بلده وذهب لينشدها على بعد ألفين وخمسمائة ميل تفصلها عنا
جبال وبحار وسهول ودول.
لم تنل برودة الغربة ومرارة المهجر من عزيمة حمدى قنديل كما
لم تنل من كبرياء ومقاومة محمود درويش كانت نظرات حمدى قنديل كما عهدتها فيه
قوية صقرية تبرق بالتحدى والحماس والعزيمة وكانت نبراته كما عرفتها فيه ساطعة
لامعة مجلجلة مفعمة بالصدق نابعة من القلب تصيب الهدف بلا لف ولا دوران.
ورغم مغريات دبى ـ المدينة والمهرجان ـ كنت حريصا على لقاء
حمدى قنديل الإعلامى الكبير الذى افتقدته الشاشة المصرية الرسمية والخاصة،
ولم تتحمل جرأته وصراحته ومساحة الحرية التى يصر عليها.
لا أخفى إعجابى اللامحدود بقنديل بل أفخر به على طريقة
المتنبى مع سيف الدولة «مالى أكتم حبا قد برى جسدى/ وتدعى حب سيف الدولة
الأمم» وأراه واحدا من ألمع مقدمى البرامج السياسية فى تاريخ الإعلام العربى،
وفوق ذلك فهو رجل صاحب موقف لم يغتصب ضميره يوما ولم يحن رأسه للريح ولم يكيف
آرائه مع تقلبات السياسة والزمن.
ما زال حمدى قنديل يقول لا.. ومازال صوته عاليا كالطبل فى
مواجهة الصهيونية والامبريالية والعولمية.
قلت له: أحسدك على هذا التفاؤل والثبات .. فمازلت ترفع راية
العروبة وتدعو للمقاومة وترى بقع ضوء فى ذلك الليل الحالك الذى يحيط بالأمة
.. فمن أين لك هذا؟
أجاب: من التاريخ .. إن وقائعه تشهد بأن الاحتلال زائل مهما
طال وأن المقاومة كانت السبيل الوحيد للتحرر والاستقلال .. وهى عبرة دائمة من
دروس التاريخ.
ورغم السواد الحالك الذى تقول إنه يحيط بالأمة وحاضرها إلا
أننى أرى بقع ضوء تمنحنى هذا التفاؤل، منها أصوات وقنوات إعلامية مخلصة باقية
على أصولها رافضة للهجمة الاستعمارية والمدهش أنها داخل أجهزة إعلام حكومية
كقناة دبى التى منحتنى حرية حرمت منها فى بلدى وحالت قنواته الحكومية والخاصة
أن يصل صوتى للشارع المصرى ولما خرجت منها كان المستقبل يبدو أمامى شديد
السواد كقطع الليل المظلم ، ولما فتحت لى دبى ذراعيها مانحة الحرية التى
أنشدها عاد إلى تفاؤلى ومن حينها وأنا أقول كلمتى بلا رقابة ولا قيود.
ما أقدمه هو رسالة ـ قبل أن تكون مجرد برنامج - مصمم على
توصيلها للناس أضف إلى ذلك أننى وصلت إلى مرحلة من العمر لم يعد عندى شىء
أبكى عليه، وأحسب حسابه فلست طالبا لمجد أو مغنم وأكيد هذا الوضع يزيدنى
صلابة فى المواجهة والمقاومة والصمود.
* راهنت كثيرا على الشارع العربى فى مقاومة الهجمة الإمبرالية
.. فى ظل هذا الركود الشعبى تجاه ما يحدث فى المنطقة .. هل تشعر أن الشارع
العربى خذلك؟
- قبل أن يخذلنى الشارع العربى خذلتنى الحكومات التى تصرفت
بكثير من الميكافيلية وتحولت فى معظمها إلى أذناب للنظام العالمى الجديد
وللامبراطورية الأمريكية الشرسة.
وأشعر بمرار أكثر عندما أتذكر أن الشارع العربى هو الذى قاوم
الامبراطورية البريطانية بصدوره العارية عام 1919 وأن الشارع العربى هو الذى
أسقط نظام كميل شمعون فى لبنان وأجلس مكانه فؤاد شهاب الدين.
الشارع العربى هو الذى أسقط نظام العسكر فى السودان.. ويمكننى
أن أحصى لك عشرات المواقف أثبت فيها الشارع العربى أنه كان على قدر المسئولية
وأن كلمته كانت هى العليا.
ولكن يبدو أنه فقد هذا الثقل فى الظروف الراهنة والأسباب
عديدة منها قسوة النظم الحاكمة وفقدان الأمل فى التغيير.. حالة الإحباط
العامة جعلت الناس تستكين .. يتظاهرون علشان إيه .. ويتمردون علشان إيه!
ومع ذلك نحن نتكلم عن موات الشارع العربى خلال ثلاثين أو
أربعين سنة أو حتى نصف قرن، وهذا وقت قصير جدا بل مجرد ومضة فى عمر الشعوب..
ولذلك عندى أمل دائم فى التغيير وأقنع نفسى بتفاؤل قد يبدو ساذجا أن
الامبراطوريات الكبرى نفسها تتوهج وتموت ويأتى غيرها .. والأمل فى أجيال
جديدة من الشعوب العربية ترفع راية المقاومة.
ولا تنسى أن الشارع العربى أيضا تمثله المقاومة الفلسطينية
التى تمنحنى احساسا طاغيا بالتفاؤل فى التغيير .. شعبى يعيش 75% منه تحت خط
الفقر، ويقاوم على مدار 4 سنوات أعتى قوة عسكرية فى الشرق الأوسط بأسلحتها
الفتاكة.
وهناك المقاومة الباسلة التى تحدث فى العراق .. وتابعنا ملحمة
الفلوجا وصمودها الأسطورى ولا أظن أن المعركة ستنتهى فى العراق فى ظل تلك
المقاومة إلا بعد خروج الأمريكان.
ربما تكون مقاومة شعبية - عراقية فلسطينية - غير مدعومة وربما
الخسائر تدمى قلوبنا ولكن بحور الدم المناضل تعطينى شعاع ضوء هائل من
التفاؤل.
* تعتقد أن الفضائيات العربية يمكن أن تلعب دوراً فى المقاومة
وصد الهجمة الامبريالية؟
- مجرد أن تلتزم تلك الفضائيات بعرض ما يحدث فى فلسطين
والعراق بالذات حتى لو كان بحيادية فأنا واثق أنه دور مهم جدا فى كشف
الفظاعات والجرائم التى ترتكب .. وهى دعوة عظيمة للمقاومة .. ومجرد أن يكون
الشارع العربى على علم بما يجرى فإن التراكم كفيل برفض ما يحدث والثورة عليه.
* ألا تخشى أن يطول القصف الأمريكى صوتك فى دبى كما طال قناة
الجزيرة وقطع رجلها من العراق؟
- من أيام ما دعوت لمقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية
وضعوا اسمى على القوائم السوداء فى إسرائيل، ولا أعرف قوائم أمريكا السوداء
شكلها إيه .. وأىا كان الأمر.. فالأعمال والأرزاق بيد الله ولابد من استكمال
هذا الدور القومى مهما كانت الضغوط .. حتى لو قلعونا «ملط» وتركونا فى صحراء
المقطم كما فعلوا مع عبدالحليم قنديل!!
* هل تفاؤلك بالمقاومة ينسحب إلى الإصلاح والديمقراطية فى
العالم العربى؟
- لا .. أنا غير متفائل فى هذا الاتجاه .. لا الحكام يريدون
الإصلاح ولا أمريكا تريده .. لا تصدق أن حكام البيت الأبيض يضغطون لنشر
الديمقراطية فى المنطقة لأن الظروف الراهنة هى الأفضل بالنسبة لمصالحهم وليس
فى الإمكان أبدع مما كان.
الديمقراطية لن يفرضها إلا تكاتف المجتمع المدنى ومؤسساته
أقول هذا وأمامى تجربة الشعب الأوكرانى الذى استطاع بدون قطرة دم ولا تخريب
أن ينتزع حقوقه.
* أعرف أنهم هنا يقدرونك بلا حدود فى دبى وينزلونك المكانة
التى تستحقها .. ولكن ألا تشعر بحنين إلى الجمهور المصرى ؟
- وطنى وناسى أحملهم دائما فى قلبى أينما ذهبت .. ولكن الحرية
وطن وذهبت أنشدها بعيدا، وكنت آمل أن يلتئم الوطنان معا .. الحرية ومصر ..
ومازلت.
* ألا تشعر ببعض التفاؤل بعد تولى د.البلتاجى مسئولية الإعلام
المصرى؟
- والله د.البلتاجى أنا أعرفه من زمان وأعرف ثقافته وحماسه
وإلمامه بالأمور ورغبته فى التغيير ولكن الحمل ثقيل .. وأرجو الله أن يعينه
عليه.
* استغرب أن تجد حريتك فى بلد خليجى كنا قبل سنين نحسد أنفسنا
على حريتنا مقارنة بهم؟
- كنت مثلك أنظر إلى بلدانهم على أنها مجرد ناطحات سحاب تفتقد
الحد الأدنى من الديمقراطية .. ولكن بعد تجربتى الشخصية أدركت أن هؤلاء فى
منتهى الذكاء واستوعبوا التغييرات المحيطة ومنحوا إعلامهم على الأقل حرية غير
مسبوقة أرجو أن تكون درسا للإعلام المصرى .
* بصراحة .. هل تجرؤ على نقد المجتمع والسياسات فى الخليج؟
- طالما مفيش «قدح» فإن الحرية بلاحدود .. ومن تابع حلقات
برنامجى «قلم رصاص» يدرك ذلك ويعرف أن النقد الموضوعى يطول كل شىء حتى دبى
نفسها التى لا يتورع بعض ضيوف البرنامج عن وصفها بأنها مجرد ناطحات سحاب.
أؤكد لك أن مساحة الحرية المعطاة لـ «قلم رصاص» غير محدودة
ليس استنادا على تعاقدى معهم الذى ينص على أننى مسئول نهائيا عن البرنامج دون
تدخل من أحد، بل على التفتح الفكرى الهائل للمسئولين هناك واقتناعهم بأن
الحرية هى السبيل للنجاح.
ولعلمك إننى أشعر بالدهشة أحيانا من تلك المساحة الهائلة من
الحرية وفى مقابلها أشعر بالحسرة عندما أنظر إلى تليفزيون بلدى.
ولا أعرف ماذا سيخسرون إذا فكوا القيود ومنحوا الناس فرصة
حقيقية للكلام استغرب كيف تستهين مصر بمكانتها فى مجال الإعلام وتفرط فيها؟!
لقد كنا رواد الإعلام العربى من أربعين سنة، وصلنا الآن إلى
أن نرسل شباب مذيعينا للتدريب فى بيروت .. والآن يدير المشاهد المصرى نظره
إلى الفضائيات العربية لأنها سبقت قنواته بمراحل.. إنه شىء يدعو للأسف.
* بعيدا عن الأسف .. أشكرك على الحلقة التى قدمتها عند رحيل
أبو عمار وعرضت فيها جزءا من تسجيل نادر للقاء تليفزيونى أجريته معه ظهر فيه
ياسر عرفات الإنسان؟
* أبو عمار إنسان جميل وأزعم أنه صديق عزيز يمتد عمر صداقتنا
إلى عام 1956 اكتشفت فيه نبلا بلا حدود وصلابة فى التمسك بقضيته إلى آخر نفس
من حياته وأرجو ألا يفرط خلفاؤه فى المبادئ التى عاش عمره يتمسك بها ويدافع
عنها .
وما يؤلمنى حقا تلك الإدعاءات السخيفة التى تزعم أن عرفات كان
هو العقبة فى طريق السلام وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية، وبعد رحيله سوف
يتحقق هذا الحلم.
يقولون هذا ببجاحة شديدة وكأن شارون كان يمد إلينا يده بغصن
الزيتون لا بالرصاص.
ليرحم الله أبو عمار ، فقد عاش حياته فى المنافى والخنادق
زعيما فذا يحولونه الآن إلى «خائن» .. إنه لأمر يدعو إلى كثير من الأسى
والأسف. |