|
العتبة واطية. والقلعة عالية.
وقد ظللت أعواما أصعد وأنزل شارع محمد
علي مرتين علي الأقل في اليوم الواحد. وعند الصعود كان
لابد من الوقوف لالتقاط الأنفاس. غالبا علي مقربة من
مسجد السلطان حسن. والعجيب أنني كنت أتذكر علي الفور
طه حسين في روايته «أديب». وهو يصف زيارته لصديقه الذي
يسكن القلعة. وكان بطل الرواية أيضا يتوقف عند مسجد
السلطان ليتقط أنفاسه. والعجيب أيضا أنني حين كنت
أتلفت حولي أري الصاعدين معي يتوقفون وبعضهم مبهور أو
مقطوع النفس. وكل من يصعد علي أي حال لابد أن يتأني
قرب القمة ليسترد أنفاسه. وكنت عند النزول أسرع الخطأ
في شبابي شبه أهوج. أتذكر وصف توفيق الحكيم أيام
هوايته وشبابه وحماسه لفن المسرح. وكيف كان يصحب عكاشة
صاحب فرقة عكاشة، وهما يهرولان إلي الفرقة من شدة
الحماس. ويضيف الحكيم قفشة. لأن عكاشة الفنان الكبير
الشهير كان علي سجيته، لا يعبأ بأناقة أو ملبس. وإذا
بالفنان الكبير يتوقف فجأة في شارع محمد علي عند بائع
أكواز من الصفيح. ليشتري منه دستة. ولا يري حرجا أن
يدخل المسرح بهذا المنظر. وقد لاح للفنان أن الليل قد
هبط ولم يبع الشيخ العجوز كوزا واحدا، ولم يجبر أحد
خاطره.
وهكذا كانت الحياة تهدأ في قمة الشارع
الكبير بعد صلاة العشاء، وتنشط حتي منتصف الليل وبعده
عند العتبة. لأن شارع محمد علي فوق رأسه مسجد جامع،
وفي قلبه مكتبة. وتحت أقدامه مسرح. وعلي القمة السلطان
حسن والقلعة والرفاعي. وفي القلب دار الكتب. وقرب
العتبة المسرح القومي والأوبرا. وكان الشارع أوائل
القرن الماضي شارع الصحافة وكبري الجرائد «المؤيد».
وبقايا هذا العهد البعيد باقية الآن في محلات
الزنكوغراف والأختام. وكان لا يزاحم شارع الصحافة. سوي
شارع المدارس أو الخليج المصري. وينبع من ميدان باب
الخلق ليصب في ميدان السيدة. وكان الخليج فيه أول
نظارة للمعارف وأول دار للعلوم وأول كتبخانة خديوية
وأول جريدة ومقر المدرسة الخديوية التي تخرج فيها
مصطفي كامل والرافعي ويحيي حقي. ولا ينسي حقي مولده في
حارة الميضة خلف أم هاشم. ويقول: «هيهات أن أنسي تأثير
ذلك علي حياتي وتكويني النفسي، ومازلت أعيش مع الست
«ما شاء الله» بائعة الطعمية والأسطي حسن حلاق الحي.
وبائع الدقة..». وقد تعلم يحيي حقي في مدرسة أم عباس
قرب سبيل أم عباس بالسيوفية. وهي نفس المدرسة التي
تعلم فيها الزعيم الوطني مصطفي كامل، وكان بيته في
حارة الميضة خلف مسجد آخر بشارع الصليبة.
وقد سحرني يحيي حقي بقنديله. وأضاء لي
الطريق لقراءة العمارة. ومازلت أظن أن صاحب القنديل
أروع وأصدق من وصف وقفته أمام مسجد السلطان حسن. حين
يقول: «لم أنس إلي اليوم شهقة قلبي حين دخلت أبوابه.
تراجعت كل النمنمات والزخارف والصنعة. لا شيء في
العمارة الإسلامية يداني هذا القوس الشاهق المحيط
بالقبلة. لابد لك أمامه أن ترفع رأسك إلي السماء، وأن
تحس بأنك ارتفعت عن الأرض وأن صدرك الضيق قد أصبح في
رحابة هذا القوس العظيم.. كأنه من عمل البرجل الذي ؟؟؟
دائرة الأفلاك.
وكثيرا ما توقفت عند هذا الوصف المرهف
المرتجف الذي كتبه يحيي حقي. فلا يمكن أن يكون هذا
المعماري القدير المؤمن قد اكتفي بالهندسة والقلم
والرسم والمسطرة والفرجار. ولابد كما قال يحيي حقي
وبحق أن قوة روحية هائلة ورافعة قوية من الإيمان جعلت
هذا المعماري يرفع ذراعه ليطوح خطوطه حتي ترتفع خطوط
الرسم إلي ذري الإيمان. |