|
لقد استنفدنا كل ما يمكن الحصول عليه من الموارد
الخارجية وسريعا ستبدأ الضغوط والمنافسات مع تطبيق سلسلة الاتفاقيات
التجارية. إذ ستضاعف هذه الضغوط انكشافنا الاقتصادي في كل المجالات،
حيث لا نكاد نتمتع بوضع تنافس مريح في أي مجال أو قطاع أو فرع من فروع
الصناعة أو الخدمات. وإما أن ننسحق أمام المنافسين الأجانب أو نضطر
اضطرارا للنهوض ومقابلة التحدي.
هذا التحدي قد يخص المجال الاقتصادي ولكن لا يمكن
مقابلته إلا عبر استراتيجية قومية جديدة تبدأ بالمجال السياسي وتمتد
إلي المجال الثقافي حتي نستطيع أن ننفض عن أنفسنا غبار الركود والقعود
الطويل الأمد جدا والذي انتهي إلي تسطح وضعف الاقتصاد.
وإذا توقفنا فقط عند مفوم التنافسية والصمود أمام
المنافسين الأجانب الذين ينطلقون إلي الفضاء وبمعدلات حركة مذهلة، لابد
أن يلفت نظرنا أن المنافسة ليست محصورة فقط في أسعار ونوعيات السلع
والخدمات التي ننتجها مقابل أسعار ونوعيات ما ينتجه الآخرون. فهناك
أيضا منافسة سياسية فحواها التأثير علي العالم الخارجي أو التأثر به في
هذا المجال. فقوة النظام السياسي وقدرته علي تحقيق الرضا العام
والتواصل الداخلي والاستقرار الذي يحفز الإبداع ويترك مقعدا للجميع في
مسرح الأحداث هي بذاتها منافسة. وإذا لم نحقق الرضا الداخلي ونضمن
الاستقرار والمشاركة سيبدأ الناس عندنا في التطلع إلي النظم السياسية
في الخارج لتقليدها. والعكس صحيح. فنستطيع أن نضمن نفوذا خارجيا كبيرا
إذا أعدنا صياغة نظامنا السياسي.
ولنعط هنا مثلا واحدا من الاستطلاعات التي تمت في
العراق حول تفضيل المواطنين لأي من النظم السياسية. فقرر نحو 50% أنهم
يريدون نظاما ديمقراطيا مشابها لما تسلكه أوروبا الغربية. وقرر نحو 7%
من المواطنين أنهم يريدون نظاما مشابها للنظام السعودي. ومن السهل أن
ندرك أن هؤلاء الأخيرين هم ممن يفضلون حكومة دينية سنية الطابع. ولم
يفضل سوي 2% من المواطنين العراقيين نظاما سياسيا مشابها للنظام
السياسي في مصر. فإذا أردنا أن يكون لبلدنا نفوذ سياسي في العالم
العربي نفسه فلابد أن يشع هذا النظام نورا يبهر عيون ملايين من
المواطنين العرب.
وهناك أيضا تنافسية ثقافية. وكنا نري أثرا للتنافسية
العالية لمصر في مجال الثقافة عندما كانت سلعنا الثقافية تجد ترحيبا
كبيرا في العالم العربي والخارجي، وعندما كان العرب مفتونين بالشخصية
المصرية بما كانت تتمتع به من تهذيب وقدرة علي العمل الشاق والاستقامة
الأخلاقية مع الرقة في الحواس والذوق في المعاملة. ويتغير هذا كله كما
يعرف الذين قضوا فترات من حياتهم في العمل في دول الخليج أو في العالم
العربي في الخارج. ومن حسن الطالع أن تنافسيتنا الثقافية مازالت أعلي
بكثير من تنافسيتنا الاقتصادية أو السياسية وهي ما بقي لنا بعد الهبوط
الكبير في أدائنا القومي خلال العقود الماضية.
إذن أول ما نحتاجه هو مفهوم جديد للسياسة وما يرتبط
بهذا المفهوم من إصلاحات عميقة وجوهرية. فالمفهوم الراهن والذي استمر
لعشرات السنين يقوم علي ضمان الأمن السياسي. أما المفهوم الذي نحتاجه
للإصلاح والصمود أمام المنافسة الخارجية فهو التمكين. نريد مجتمعا
مقتدرا وقادرا علي أن يخوض المنافسة بنفسه ويقدر مواقعه وظروفه بدقة
وأن يستحدث التعديلات الضرورية لإطلاق إمكانياته وإصلاح هياكله وتغيير
معادلاته لتأمين أوسع فرص التطور والإبداع في مختلف المجالات. |