|
كانت الساعة تشير الي التاسعة من مساء
الخميس 9/12/2004م، عندما كنت أسير في شارع الجلاء
بمدينة شبين الكوم وقريبا من مبني محافظة المنوفية،
التقطت أذناي صدي صوت مزمار بلدي يتردد في فراغ الشارع
بين مبني السنترال ومبني المحافظة، مضيت في سيري...
لأجد جوادين يرقصان في حفل عرس قريب من مبني المحافظة،
تحلقت بالجوادين مجموعة من الشباب والأطفال، والجميع
يرقصون علي لحن... تبينت أنه لأغنية المطربة صباح
الشهيرة: "يادلع"، تلك الأغنية التي كتب كلماتها
الشاعر اللبناني توفيق بركات وصاغ فريد الأطرش لحنها
من مقام الراست الشرقي الأصيل، ولتغنها صباح بدءا من
شهر مارس 1974 في أحداث مسرحية " ست الكل"، تلك
الأغنية... ينطق المزمار لحنها الآن ـ وبعد ظهورها
بثلاثين عاما ـ نطقا موسيقيا شرقيا مبنيا لا شبهة
لعجمة أو انتحال فيه، فيتفاعل مع اللحن من ولد بعد
إطلاقه من صبية وشباب، لبساطته وصدقه وشعبيته التي
لامست أعماق نفوسهم.
فوجئ الاستاذ الدكتور/ محمد أبو الفضل:
أستاذ ورئيس قسم الأراضي بكلية الزراعة جامعة
المنوفية، زميل العمل الجامعي الآن وزميل الدراسة في
مراحل الابتدائي والإعدادي والثانوي، فوجئ الدكتور أبو
الفضل في أحد أيام صيف عام 1978 بالسيدة الروسية، التي
كانت تلقنه ومجموعة من المبعوثين المصريين والعرب
مبادئ اللغة الروسية، وقد حملت الي قاعة الدرس ذات يوم
إسطوانة رفعتها باعتزاز أمام أعينهم، قالت المدرسة
الروسية ـ وبعد أن أصبح التفاهم بينها وبين طلبتها من
المبعوثين ممكنا باللغة الروسية: إن هذه الاسطوانة ملك
لأبي وهو يحبها ويعتز بها كثيرا، وأضافت السيدة
الروسية: إنني أستمع مع أبي الي لحن هذه الإسطوانة قبل
سنوات طويلة ولاأعرف معناه، فهل يعرف أحد منكم هذه
الأغنية ويتفضل بترجمتها الي الروسية؟، يقول الدكتور
أبو الفضل إنه ذهل عندما أدارت السيدة الروسية
الاسطوانة، فإذا بالمبعوثين المصريين والعرب يستمعون
الي قصيدة فريد الأطرش المعروفة:" يازهرة في خيالي"،
ولكنها مسجلة بصوت مطرب روسي علي الاسطوانة، وبالرغم
من عربيته الركيكة التي تظهر حرف (الهاء) وكأنه (خاء)،
إلا أن المطرب الروسي أجاد في غنائه للقصيدة حتي
الموال الذي جاء في البيتين الأخيرين منها، ولم يكن
الدكتور أبو الفضل وحده الذي عاد من الاتحاد السوفيتي
السابق ليتحدث عن لحن فريد الأطرش الذي سمعه هناك،
وإنما تحدث بذلك عشرات من الدارسين في الاتحاد
السوفيتي... في لقاءات خاصة مع كاتب المقال أو في
أحاديث صحفية أو إذاعية، وممن تحدثوا عن ذيوع قصيدة "
يازهرة في خيالي" في الاتحاد السوفيتي السابق...
الصحفي والكاتب الراحل/ فوميل لبيب، الذي يذكر في أحد
مقالاته أنه اشتري نسخة من الاسطوانة الروسية لأغنية "
يازهرة في خيالي" من متاجر "جوم" الشهيرة في مدينة
موسكو، إن أغنية " يازهرة في خيالي" التي كانت إحدي
أغنيات فيلم فريد الأطرش السادس: "حبيب العمر"، الذي
عرض للمرة الأولي في 15/3/1947م، إنطوت تلك الأغنية
علي عنصر الحداثة ممثلاً في صياغتها من مقام النهاوند
وباستخدام إيقاع التانجو الغربي الذي تألفه آذان الناس
في الاتحاد السوفيتي وكثير من دول الغرب.
يلخص الموقفان السابقان وبوضوح لاتعلق
به شائبة السمة الرئيسية لإنتاج فريد الأطرش الغنائي
والموسيقي، تلك السمة التي تتبلور فياإمتزاج عنصري
الأصالة والحداثة في هذا الإنتاج، مما جعل ذلك الإنتاج
مرشحاً للخلود في ذاكرة جموع البسطاء من الناس وهم
غالبية الشعب المصري والعربي، ومرشحا بنفس القدر ليعبر
حدود موطنه ليصل الي أسماع الشعوب الأخري، تؤهله لذلك
أصالته في المقام الأول وقرب صياغته وإيقاعه من أذواق
مستمعي تلك الشعوب.
النشأة والتكوين
ولد فريد فهد فرحان الأطرش ـ علي أرجح
الأقوال ـ في شتاء عام 1915م في قرية القُرية (بضم
القاف) من أعمال السويداء في جبل العرب بسوريا، ينتمي
والده فهد فرحان اسماعيل الأطرش الي آل الأطرش الذين
آلت اليهم زعامة جبل العرب أو جبل الدروز، أما والدته:
عالية حسين المنذر فهي درزية من قرية شويت من منطقة
الشوف في جبل لبنان، وفهد الأطرش هو شقيق سلطان باشا
الأطرش قائد ثورة جبل العرب (1922 ـ 1925م) ضد
الاحتلال الفرنسي، تلقي فهد الأطرش تعليما راقيا...
وحصل علي شهادة جامعية من إحدي الجامعات التركية، مما
أهله لتقلد عدة مناصب هامة في الدولة العثمانية، كان
آخرها منصب حاكم منطقة ديمرجي في أقصي الغرب من
الأراضي التركية، وعندما تهاوت دفاعات الأتراك أمام
زحف القوات اليونانية في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر
1917م، عاد فهد الأطرش بأسرته الي سوريا، حيث تولي عدة
مناصب قضائية بسوريا في عهد الاحتلال الفرنسي للشام،
ثم عمل معتمداً للدروز لدي سلطات الاحتلال الفرنسي في
عام 1921م، مما جعله ينتقل بأسرته الي بيروت لكونها
مقر المندوب السامي (الحاكم) الفرنسي لكل الشام،
وعندما فجر شقيقه سلطان الأطرش ثورة جبل العرب في عام
1922م، انضم فهد الأطرش الي ثوار جبل العرب، بينما
هربت زوجته عالية بأبنائه الثلاثة: فؤاد وفريد وآمال
الي القاهرة، جاء هروبها الي القاهرة بعد أن اختبأت
وأبنائها ولشهور عدة في دمشق وبيروت، فوصلت هي
وأبنائها الي القاهرة في أحد أيام شتاء عام 1923م، حيث
أقامت الأسرة في أول مساكنهم بالقاهرة: شقة صغيرة من
غرفتين في أحد منازل شارع باب البحر، وهو شارع يتفرع
عند بداية شارع كلوت بك الي يسار المار بالاتجاه من
ميدان باب الحديد (رمسيس حالياً) الي ميدان العتبة.
تلقي فريد الأطرش جزءا من تعليمه
الأولي في مدرسة الفرير بحي الخرنفش القريب من حي
الفجالة حيث حلت الأسرة في أول مسكن بالقاهرة، ثم
انتقل وشقيقه الأكبر فؤاد الي المدرسة البطريركية
للروم الكاثوليك بحي الظاهر بعد طردهم من مدرسة الفرير
ذات الإدارة الفرنسية، وذلك إثر اكتشاف ادارة المدرسة
لحقيقة نسبهم، وعندما حصل الفتي فريد علي الشهادة
الابتدائية في عام 1932م، انتقل الي مرحلة التعليم
الثانوي... حيث قضي فيه عامي 1933 ـ 1934م، ونظراً
لنفاذ مدخرات الأسرة عمل الفتي فريد الي جانب تلقيه
العلم في مدارس الفرير والبطريركية علي تعليم الموسيقي
والغناء، فكان أول معلميه: والدته عالية المنذر التي
كانت تجيد الغناء والعزف علي آلة العود، ومما هو معروف
ورواه فريد في مذكراته وأحاديثه... أن السيدة عالية
عملت بالسهرات الخاصة وملاهي روض الفرج والإذاعات
الأهلية، وقد دفع ذلك الفتي فريد الي خوض معترك العمل
الي جانب الدراسة، فعمل بتوزيع الاعلانات في محلات
بلاتشي المعروفة بشارع الموسكي، بالاضافة الي الغناء
في الحفلات الخاصة والمحطات الأهلية مثل محطة إلياس
شقال.
توافد علي منزل عالية حسين في حي
الظاهر نخبة من أعلام الغناء ممن جذبتهم مواهب الأسرة
الغنائية والموسيقية، ومن هؤلاء: داود حسني ومحمد
القصبجي وزكريا أحمد ومحمود صبح وفريد غصن ويوسف
بدروس، وقد تبني داود حسني صوت الصغيرة آمال وأطلق
عليها اسمها الفني الذي عرفت به: «أسمهان»، بينما تعهد
الملحن والموسيقي اللبناني فريد غصن سمية فريد الأطرش
في العزف علي العود، كانت سهرات تلك المجموعة من
الأقطاب في مسكن الأسرة بمثابة مدرسة تلقي فيها فريد
الكثير عن فنون الغناء العربي وتراثه الي جانب مهارات
العزف علي العود، لم يكن هذا هو المصدر الوحيد الذي
نهل منه الفتي فريد أسس تكوينه الغنائي والموسيقي، بل
كان هناك مصدران آخران لايقلان في التأثير علي فكره
الموسيقي من تراث الغناء العربي وسحر آلة العود، مثلت
حصة الدين المسيحي في مدارس الفرير والبطريركية أول
هذين المصدرين، حيث جذبت التراتيل والأناشيد والعزف
علي البيانو والأرغن اهتمام الصبي لما يجري في تلك
الحصة، فلما سمع القس المشرف علي تلك الحصة صوت الفتي
فريد، وافق علي انضمامه الي مجموعة المنشدين، وليصبح
الفتي فريد بعد شهرين رئيساً لكل المنشدين تحت قبة
كنيسة المدرسة، وأما المصدر الثاني فقد تمثل في الغناء
الشعبي والمواويل التي كان يقدمها المطرب الشعبي محمد
العربي في أحد مقاهي شارع عماد الدين القريب من مسكن
أسرة فريد في حي الظاهر، ومحمد العربي هو مطرب شعبي
ينحدر من أصل عربي من مدينة الفيوم، كان صوت العربي
يطرب فريد... وكانت ألحانه الشرقية أصيلة، بينما لامست
معاني أغنياته وما يشيع فيها من مأثورات شعبية قلب
فريد والكثير من بسطاء المصريين.
هكذا تفاعلت عوامل النشأة والتكوين في
نفس الموهوب الصغير القادم من جبل العرب الي ضفاف
النيل، ليقدم للمستمع المصري والعربي غناء تميز
بالأصالة والحداثة في آن واحد، مما كفل لهذا الغناء
نجاحاً شعبياً مازال مستمراً حتي الآن في موطنه،
بالإضافة الي انتشاره في كثير من دول العالم لدي
مستمعين اجتذبتهم عناصر الحداثة في هذا الغناء.
عناصر الأصالة
يتجلي جانب الأصالة للمستمع المدقق في
إنتاج فريد الأطرش في خمسة عناصر، ويمكن القول بأن هذه
العناصر الخمسة ترتب تبعاً لأهميتها كما يلي: الإكثار
من استخدام المقامات الشرقية ذات الأرباع الصوتية ـ
الاحتفاء باللغة العربية ممثلاً في نوعية الكلمة (شعرا
أو زجلا) وفي نطق الحروف والإلتزام بالقواعد ـ
الاهتمام بقالب الموال وإدراجه في معظم الأعمال
الغنائية ـ التركيز علي قالب الأغنية الشعبية ـ
والاهتمام بالدور المنفرد للآلة الموسيقية وعلي الأخص
آلتا العود والناي، إن تتبع تلك العناصر في غنائيات
فريد الأطرش، سوف يضع يد القارئ علي مصادر نكهة
الأصالة التي ميزت تلك الغنائيات.
تنقسم المقامات الشرقية أو العربية الي
مقامات تحتوي أرباع صوتية وأخري خلو من تلك الأرباع،
فمن المقامات ذات الأرباع الصوتية نذكر مقامات مثل:
البياتي والراست والحجاز والهزام، وتتميز تلك المقامات
بجرس خاص يعطيها صدي مميزا تتعرفه الأذن العربية وتأنس
اليه، وأما المقامات الشرقية الخالية من الأرباع
الصوتية مثل النهاوند والكرد واللامي والعجم، فانها
الي جانب بساطتها وجمالها تكون أقرب مايمكن الي
الموسيقي الغربية، وقد كشف العالم الموسيقي السوري:
الدكتور/ سعد الله أغا القلعة في الحلقة رقم (27) من
برنامج "حياة وفن فريد الأطرش"، التي قدمت في مساء
الثلاثاء 24/8/2004م عبر القناة الفضائية الأردنية، إن
62% من مجمل الألحان التي وضعها فريد الأطرش قد صيغت
من مقامات شرقية تحتوي علي أرباع صوتية، وأوضح الدكتور
سعد الله أن هذه الألحان قد انقسمت بين المقامات
المختلفة بالنسب التالية: 35% من مقام البياتي ـ 12%
من مقام الراست ـ 10% من مقام الحجاز ـ و5% من مقام
الهزام، إن هذا التركيز علي استخدام المقامات الشرقية
ذات الأرباع الصوتية هو الذي يعطي العنصر أو المظهر
الأول لجانب الأصالة في غنائيات فريد الأطرش، وهو
مايستطيع القارئ التأكد منه اذا ماأنصت للنماذج
التالية من أغنيات فريد التي أبدعها في كل مقام من هذه
المقامات، فمن مقام البياتي نذكر أغنيات مثل: إتقل
إتقل ـ الحياة حلوة ـ أنا وأنت لوحدنا ـ هلت ليالي
وحداني، ومن مقام الراست... هناك أغنيات مثل: اسمع ـ
أعمل إيه علشان أنساك ـ علي الله تعود ـ وردة من دمنا،
ومن مقام الحجاز... أغنيات مثل: كفاية ياعين ـ ماقاللي
وقلت له ـ مانحرمش العمر منك ونجوم الليل، ومن مقام
الهزام... أغنيات مثل: خذي قلبي ـ شهر العسل وكفاية
أشوفك، إن المستمع لأغنيات كهذه يستطيع أن يلمس كيف
ساهم اختيار فريد لمقاماتها في صبغها بطابعها الأصولي
الذي لاتخطئه أذن، لقد كان تعليمه الموسيقي الأولي
الذي تأسس بألحان التراث التي جمعتها حافظته في جبل
العرب وفي ديمرجي بتركيا، ومن والدته وموسيقيين كبار
من أمثال داود حسني ومحمد القصبجي وزكريا أحمد، بمثابة
النبع الذي نهل منه حبه للمقامات الشرقية وإيمانه
بقدرتها علي التعبير وبصدق عن المشاعر الشعبية
والعربية.
وفيما يختص بعنصر الأحتفاء باللغة
العربية في غنائيات فريد الأطرش، فإن الحديث عنه يطول
وقد لاتكفي كل المساحة المتاحة لهذا المقال لإيفاء هذا
الجانب حقه، ولكن أغنية واحدة من إنتاجه الكبير... سوف
تكفي هنا لتوضيح ذلك العنصر، إن المنصت المدقق لأغنية
"الحب لحن جميل"، التي لحنها فريد في قالب الطقطوقة
ومن مقام النهاوند، وتغني بها في فيلمه الثامن: "أحبك
إنت" والذي عرض في 3/1/1949م، ففي غنائه المبهر لتلك
الأغنية.. يهتم فريد بإظهار الحروف وتمييزها، ويعني
بتوفية الحروف حقها من إشباع المدّ وتحقيق الهمز
وإتمام الحركات وتوفية الغُنّات وتفكيك الحروف شأنه في
ذلك شأن شيوخ الإنشاد الديني، إن الإحاطة بكل جزئية من
جزئيات أدائه للغة العربية في غنائياته يتطلب دراسة
منفصلة، ولكن الإلمام هنا في عجالة بما قاله أحد علماء
اللغة العربية عن أداء فريد لواحدة من خصائص الأداء
السليم للغة العربية في كل غنائياته يعد كافياً لتأكيد
تأثير ذلك العنصر من عناصر الأصالة لديه في طبع أدائه
الغنائي، يقول الأستاذ الدكتور / أحمد كشك: أستاذ
اللغة العربية وعميد كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
في حديث أدلي به لإذاعة صوت العرب في برنامجها المفتوح
عصر يوم 26/12/1993م مايلي: " فريد الأطرش كان يملك في
إطار غنائياته إدراكاً كاملاً بقيمة المد، باعتبار
المد لديه قفلا لمقطع يستطيع أن يتحرك بصوته فيه، إن
عذوبة فريد الأطرش في غنائياته تبين حقاً عندما يصل في
جملته الأدائية الي صوت المد، هنا يبدأ أو يظهر فريد
الأطرش... تحس به في ختام المقطع... في ختام قفل
الكلمة، فعلي سبيل المثال... فريد الأطرش يغني في
(بنادي عليك): والحب من غير أمل... أسمي معاني الغرام،
عذوبة فريد الأطرش موجودة في حروف الألف الموجودة في
نطق هذه الجملة، عندما يجد فريد وادياً لمساحات المد
يتحرك حركة لاحصر لها، وبالتحديد في حرف الألف الموجود
في كلمتي (معاني) و (الغرام)، مساحات المد لدي فريد
لايطرقها دون أن يستغلها الاستغلال الزمني الكامل"، إن
شروحاً كهذا لخصائص الأداء اللغوي عند فريد الأطرش،
تعطي الصورة الكاملة لهذا الأداء، وتبرز الأبعاد
الكاملة لهذا الملمح من ملامح الأصالة في غنائيات فريد
الأطرش، ويمكن القول هنا بأن مصدر ذلك الاحتفاء باللغة
العربية في غنائيات فريد الأطرش، إنما يرجع الي سنوات
صباه التي قضاها في بادية جبل العرب، حيث كانت اللغة
في البادية مازالت تعيش آنذاك مرحلة من البكارة لم
تلوثها المخترعات والفضائيات!
يرجع اهتمام فريد الأطرش بقالب الموال
وإيمانه بأهمية دور هذا القالب في الغناء العربي الي
سنوات صباه، وعندما أعجب بصوت المطرب الشعبي محمد
العربي وما يلقيه في غنائه من مواويل، لقد أعلن فريد
منذ أغنيته الأولي في الإذاعة: "بحب من غير أمل" والتي
أذيعت للمرة الأولي في أعقاب وصلة لعزفه المنفرد علي
العود في الثامنة وخمس دقائق من مساء السبت
21/3/1936م، أعلن عن حبه للموال وإيمانه بدوره المحوري
في أغنية قومية تحمل الكثير من السمات الحضارية للشعب
الذي يتغني بها، حيث أوجد للموال دوراً في لحنه الأول
الذي صاغه من مقام النهاوند، فعندما يبدأ فريد في غناء
البيت الأول من الأغنية والذي يقول: "بحب من غير
أمل/وقلبي راضي وسعيد"، فإنه يؤدي البيت أولاً ملحنا
ومن مقام النهاوند، ثم يكرر الشطر الأول من البيت "بحب
من غير أمل" بأداء مرسل وكأنه يتغني بموال، ثم ينتقل
الي الشطر الثاني من البيت " وقلبي راضي وسعيد" ليؤديه
ملحناً من النهاوند كما غناه في المرة الأولي، إن
الأحاطة بما غناه فريد من مواويل في أغنياته الإذاعية
والسينمائية والمسرحية يتجاوز المتاح من مساحة لهذا
المقال، لأن أعدادها التي أحصاها كاتب المقال في دراسة
عن هذا العنصر من عناصر الأصالة في غنائيات فريد،
ونشرت هذه الدراسة بالعدد التاسع عشر من مجلة "أحوال
مصرية" الذي صدر عن مركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية بصحيفة "الأهرام" في شتاء 2003م، تبلغ
تلك الأعداد المئات، مما يمكن القول معه بأن الموال
كان موجوداً وبصفة دائمة في كل غنائيات فريد الأطرش
كملمح يعبر عن أصالة تلك الغنائيات وارتباطها بالطبقات
الشعبية التي أنتجت الموال وتذوقته علي طول تاريخها.
كان من الطبيعي والأمر كذلك أن يتركز
إبداع فريد الأطرش الغنائي في قالب الأغنية الشعبية،
حيث يمكن لهذا القالب أن يصاغ من المقامات الشرقية
ذات الأرباع الصوتية، وأن يستوعب في سياقه الموال
والأداء الجماعي، وأن تتجلي في ثناياه بعض الإمكانات
الساحرة للغة العربية، لذلك انصب اهتمام فريد الأطرش
ومنذ بدء مشواره مع الأفلام الغنائية علي تلحين
الأغنيات الشعبية، حتي أن الفيلم الواحد كان ينطوي علي
أكثر من أغنية شعبية، ولنضرب مثلا هنا بما تضمنه فيلمه
الرابع عشر: "لحن حبي" من أغنيات شعبية، فقد تضمن
الفيلم خمس أغنيات بالإضافة الي أوبريت ومقطوعة
موسيقية، ومن بين الأغنيات الخمس قدم فريد أربع أغنيات
شعبية هي: خليها علي الله ـ بيحبني وبحبه ـ علي ياعلي
ـ ونورا نورا، إن مراجعة قائمة غنائياته السينمائية...
سوف تكشف أنه كان يدرج أغنيتين علي الأقل في كل فيلم
يمثله، ولم يتوقف اهتمامه بالأغنية الشعبية عند ذلك،
بل إن كثيراً من الأغنيات التي لحنها لأصوات بعض
المطربين والمطربات كانت من قالب الأغنية الشعبية،
نذكر من تلك الأغنيات التي حققت نجاحاً يعز علي الوصف
أغنيات مثل: "م الموسكي لسوق الحميدية" و "حموي
يامشمش" لصباح، "علي الله تعود" لوديع الصافي ـ "هل
هلال العيد" لنور الهدي ـ "مقدرش علي كده" لفهد بلان ـ
"ياحلاوتك ياجمالك" لفايزة أحمد و"عشرية" لمحمد رشدي،
مما جعل البعض من النقاد والموسيقيين يطلق علي فريد
الأطرش لقب "ملك الأغنية الشعبية"!
يتبقي من عناصر الأصالة التي ميزت
غنائيات فريد الأطرش اهتمامه البالغ بالدور المنفرد
للآلة الموسيقية في ألحانه، ويمكن القول بأن السبب في
ذلك يرجع الي نشأته الأولي في جبل العرب بين قوم جبلوا
علي تحدي الصعاب وحب الفروسية، إن المتابع لحياة فريد
الأطرش سوف يكتشف كيف كان حبه للخيل والفروسية كبيراً،
حتي بلغ به الأمر حد شراء مجموعة من الخيول تورط بها
فيما بعد في مشاكل المقامرة، تلك المشاكل التي لازمته
لفترة ولم يبرأ منها إلا بمرض القلب الذي أصابه!، مما
جعله يتخلص من خيوله ويقلع عن القمار، إن شخصية الفارس
التي سيطرت علي نفس فريد وكانت المحرك لكثير من أحداث
حياته، تلك الشخصية هي التي أوجدت لدور الآلة المنفردة
(الصولو) ركناً مهماً في بنائية ألحانه، إن عزف فريد
المبهر والنادر علي العود في غنائياته الأولي يدفع الي
ذاكرة المتلقي بصورة فرسان العصور القديمة وهم
يستعرضون مهاراتهم في ترويض الخيل ورسوخ مقاعدهم علي
صهواتها، ولننظر هنا الي بعض ما أودعه فريد من إبداعات
مهاراته الفائقة علي العود في ثنايا بعض أغنياته
الأولي، ففي أغنيته الأولي: "بحب من غير أمل"... يقدم
فريد دورين منفردين مبهرين لعزفه علي العود قبل مقطع
(أكون معاك في الليالي/ وقلوبنا تفرح سوا) وقبل مقطع
(اللي يقاس في هواه/ يتمني يبلغ مناه)، كان عزفه قبل
هذين المقطعين طروباً وفذاً... استخلص فيه أقصي ما
احتوته الآله من إمكانات، وفي أغنية "أنساك وافتكرك
تاني" التي شدا بها للمرة الأولي من الإذاعة المصرية
في مساء 29مارس 1938م، قدم فريد قبل مقطع (ياما منايا
تكون ليه/ بكل قلبك وعواطفك، تدي لقلبي الحنية/ وأنا
في حياتي ماأخالفك) واحدا من أهم وأصعب وأجمل أدوار
العود المنفردة في تاريخ الغناء العربي، وذلك بنص
تعبير الموسيقار عمار الشريعي في إحدي حلقات برنامجه
الرائد "غواص في بحر النغم"، إن القارئ والمستمع
يستطيع أن يضع يده علي عشرات من الأدوار المنفردة لعزف
فريد علي العود في ثنايا مقدمات ومقاطع أغنيات كثيرة
لفريد علي طول مشواره، من هذه الأغنيات نذكر: أول همسة
ـ عشك يابلبل ـ الحياة حلوة ـ حالي صعب علي الغمام ـ
مين يعرف ـ حكاية غرامي ـ ولاوعينيك، لذلك أجمع كل من
تحدثوا أو كتبوا عن الغناء العربي في عصره الذهبي، علي
تفرد ماقدمه فريد لآلة العود من مهام ومساحات في
أعماله، ومن هؤلاء الناقد الكبير الراحل: كمال النجمي،
الذي أوقف فصلاً جعل عنوانه "فريد والعود" في كتابه
"أصوات وألحان عربية" الذي صدر من سلسلة "كتاب الهلال"
في شهر أغسطس عام 1968م، وكان من بين ما قاله النجمي
عما قدمه فريد للعود: "والعود آلة موسيقية يضطهدها بعض
الناس الآن، وينادون بالقائها في المتاحف، ولكن فريد
الأطرش يتمسك بها، وهذا مما يجعل هذا الموسيقي العربي
قريباً الي قلوب الكثير ممن يحبون الموسيقي العربية،
ولم يكن العود وحده من بين آلات التخت الشرقي هو ما
أفرد له فريد أدوارا منفردة في غنائياته"، بل إن هناك
أدواراً لاتقل تأثيراً عما أفرده فريد للعود قام
باعطائها لآلات شرقية مثل الناي والقانون والبُزق
(الجمبش) ولآلات غربية مثل الأوكورديون والجيتار
والأورج، ولكن أدوار الناي تأتي في المرتبة الثانية
بعد أدوار العود في غنائياته، لكثرتها وثراء إضافتها
لما جاءت فيه من ألحان، ولعل أهم ماقدم فريد للناي من
أدوار منفردة في إطار غنائياته تمثل في الآتي: مقدمة
أغنية "نورا" ـ أغنية "حموي يامشمش" ـ أغنية "يامالكة
القلب" ـ مقدمة أغنية "أنت اللي كنت بدور عليك" ـ
المقطع الأخير من أغنية "وحداني" وفي التقاسيم التي
تجيء قبل المقطع الرابع من أغنية "الربيع" (ياليل
يابدر يانسمة).
عناصر الحداثة
ينطوي جانب الحداثة في إبداع فريد
الأطرش الغنائي والموسيقي علي أربعة عناصر أساسية، وهي
عناصر يجيء ترتيبها طبقاً لدور كل منها كما يلي: المزج
بين الإيقاعات الشرقية والغربية ـ تطويع الآلات
الغربية لخصوصية الموسيقي الشرقية ـ الاعتماد علي بعض
الصيغ الشعرية الجديدة ـ والاعتماد علي التوزيع الآلي
فقط، لقد جذبت عناصر الحداثة في غنائيات فريد أسماع
بعض فئات الجمهور المصري، ومثلت حيثية عبور بعض أعمال
فريد الأطرش الموسيقية والغنائية مياه البحر الأبيض
إلي الحضارات المطلة علي شواطئه الشمالية.
لقد عملت استعانة فريد الأطرش ببعض
الإيقاعات الغربية مثل الفالس والتانجو والسامبا، علي
تقبل الجمهور في دول الغرب لتلك الأعمال التي ارتكزت
علي إيقاعات تألفها آذانهم، وجاء استخدام فريد لتلك
الايقاعات متسماً بالذكاء والطرافة، حيث زاوج بينها
وبين ما يقاربها من إيقاعات شرقية، مما يشهد له بجمال
الذوق وسعة الخيال، ومن أمثلة مزاوجته بين الإيقاعات
الشرقية والغربية، ما قدمه في المقطع الثالث من أغنيته
الخالدة " الربيع"، وعن ذلك يتحدث الباحث الموسيقي
أحمد شفيق أبوعوف في كتاب "فريد الأطرش" الذي أصدرته
اللجنه الموسيقية العليا بالقاهرة في عام 1976 فيقول:
"وعندما يغني فريد (مر الخريف بعده) نلاحظ أنه يغني من
إيقاع هو خليط بين الفالس والمصمودي، والأذن الحساسة
المرهفة تلحظ ذلك المزج الغريب الذي لم يطرقه ملحن من
قبل، ولا يمكن أن نجزم أن الملحن قصد هذا المزج
الإيقاعي، فيكون قد بلغ قمة العبقرية، فإن هذا المزج
جاء عفوياً ليكون معبراً صادقاً عن أحاسيسه ومشاعره
الرقيقة"، لم يكن أحمد شفيق أبوعوف وحده الذي تحدث عن
هذا العنصر من عناصر الحداثة في ألحان فريد، وإنما
تكرر الأمر في آراء منشورة لعلماء ونقاد كبار، نذكر
منهم د.سمحة الخولي، د.رتيبة الحفني وكمال النجمي، وإن
كانت آراء كل من د.سمحة الخولي ود.رتيبة الحفني تحمل
بعض الهجوم علي |