د. محمد عبدالمطلب يبرهن بالأدلة علي هذه الحقيقة:

اللغة العربية تنحاز للأنوثة أكثر من الذكورة

* النسوية الجديدة تطلق مقولاتها دون سند واقعي وتتجاهل أن المدن إناث وبعض الآلهة إناث

* القرآن الكريم غلَّب الأنوثة في تأنيث الفعل وصيغ المبالغة.. وابن عربي يقول «المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه»

* احترام الواقع الاجتماعي القديم للأنثوية نسب بعض القبائل للأمهات.. وكلمة «اللغة» نفسها مؤنثة

تتردد في الواقع الثقافي مقولة «ذكورية اللغة العربية»، مما يعني أن اللغة تنظر للأنوثة نظرة متدنية، وربما كان السند اللغوي الوحيد لأصحاب هذه المقولة هو قاعدة لغوية تسمي «التغليب» أو «الحمل»، أي حمل الفرع علي الأصل، فالذكورة هي الأصل، والأنوثة هي الفرع، لكن واحدا من أعظم اللغويين العرب هو «ابن جني» يعلق علي هذه القاعدة بقوله: «إن العرب تؤثر ربط الأشياء المتشابهة بعضها ببعض»، ويقول واحد من أعظم النحاة القدامي هو «ابن هشام»: «إن العرب يغلبون الشيء علي غيره لتناسب بينهما أو اختلاط»، وهو ما ينفي النظرة المتدنية للأنوثة. والملاحظ أنه بعد ازدهار «الحركة النسائية» وتوابعها من الإبداع النسوي، والنقد النسوي، ظهور أصوات نسائية تؤكد انحياز الثقافة العربية عموما، واللغة خصوصا للذكورة علي حساب الأنوثة، لكن الذي يعنينا هنا هو اتهام اللغة بأنها لغة ذكورية.

 

تحفظات أولية

إن اللغة في مواضعاتها الأولي كانت تعبر عن الواقع الحضاري دون أن تنحاز إلي هذا الظرف أو ذاك، ويقول الخليل بن أحمد: «إن العرب نطقت علي سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله» وهدف اللغة من كل ذلك تحقيق التواصل بالفهم والإفهام وذلك بتحديد مدلول الكلمات وفقا لوقائع الحياة، وهذا المدلول لم يتجمد، وإنما كان مسايرا للتطور الحضاري.

ومن المؤكد أن اللغة عندما انتجت هذه الكلمات، وظفتها للإشارة إلي الموجودات حسب الفروق النوعية، لا حسب الفوارق في الدرجة أو القيمة، وقد أدرك المجتمع اللغوي الفوارق البيولوجية بين الذكورة والأنوثة، ومن ثم جاءت اللغة معبرة عن هذه الفوارق، فكانت الكلمات المؤنثة، والكلمات المذكرة. لكن هذا المجتمع أدرك أن النوعين يتدرجان في كيان إنساني واحد، ومن ثم كانت هناك مفردات تعبر عن هذا الإدراك.

فإذا جاءت النسوية الجديدة لتتهم اللغة بالانحياز للذكورة، فإننا نتحفظ كثيرا علي هذا الاتهام.

ويتمثل انحياز اللغة للأنثوية في مراحلها المبكرة قبل الإسلام حتي إن بعض آلهة العرب كن إناثا مثل: اللات والعزي ومناة.

ويبدو أن هذا الوعي اللغوي قد ربط الأنوثة بالقداسة أحيانا، ففاتحة القرآن تسمي «أم الكتاب»، ومكة تسمي «أم القري» وامتد هذا الوعي إلي تعظيم المكان، فهناك «أم الطريق» أي معظمه، و«أم النجوم» أي المجرة، و«أم الدماغ» أي الرأس. وأصبحت الأرض هي «الأم» مطلقا. وإذا كانت ظاهرة «التغليب أو الحمل» قد وضعت اللغة موضع الانحياز للذكورة، علي معني أنه إذا كان الحديث عن جماعة إناث وفيهن ذكر، فإن المتكلم يستخدم صيغة المذكر في الحديث عن هذه الجماعة، إذا كان ذلك موجودا، فإنه لم يكن السائد في الثقافة اللغوية، بل إنني أدعي أن التغليب يكون في أحيان كثيرة للأنثوية، ومفردات اللغة أصدق دليل علي ذلك، إذ إن اللغة تضم كما هائلا من «أسماء الجموع» التي تضم الإناث والذكور، لكن هذه الأسماء كانت مؤنثة مثل: «الفئة والجماعة والعصبة والثلة والطائفة والزمرة والشيعة والقبيلة والأسرة والذرية.

 

تأنيث الفعل والجمع

وتكاد هذه القاعدة «التغليب» تتلاشي في قول المبرد في كتابه «الكامل»: «إن كل جمع مؤنث، إلا ما كان جمعه بالواو والنون».

والأهم من ذلك كله أن القرآن الكريم لم يلتزم هذه القاعدة، فأنث الفعل برغم أن الفاعل جمع «الأعراب»، بما فيهم من ذكور وإناث في قوله تعالي: «قالت الأعراب آمنا».

ويزداد انحياز اللغة للأنوثة في مبدأ دلالي، هو مبدأ «المبالغة» فعند المبالغة تنحاز اللغة للأنوثة فتقول: راوية، لكثير الرواية، ومثلها: نسابة وفهمامة وعلامة وداهية وطاغية ورحالة.

كما يتأكد هذا الانحياز عند حضور كثير من الكلمات المؤنثة التي لا مذكر لها مثل: الزلزلة والصرصرة والسرعة والعجلة والزيادة والعبادة والطلاقة والرجفة والإقامة.

بل إن الانحياز يصل ذروته عندما ندرك أن اللغة قد أنثت كل المدن والقري، وربما لهذا قال ابن عربي: «المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه».

 

تمايز نوعي

ومن المؤكد أن اللغة ـ في أصل المواضعة ـ خصت الأنوثة بمفردات، وخصت الذكورة بمفردات، وأعطت لكل مفردات الوجود أسماءها التي تحددها وتشير إليها.

لكن الملحوظ أن المجتمع اللغوي لم يلتزم بهذه المواضعة التزاما مطلقا، لأنه أدرك اجتماع الأنوثة والذكورة علي صعيد الإنسانية، ومن ثم نجد في اللغة مفردات خالصة للأنثوية مثل: حامل ومرضع وطالق وعقيلة وكاعب وظعينة وبكر، إلخ.

ونجد مفردات خالصة للذكورة مثل: أقلف وعنين وفحل وبعل ومحرم وملتح.

لكن هذا التمايز النوعي يتحول إلي تداخل، فتطلق الكلمات المؤنثة علما علي الذكر مثل: طلحة ومعاوية وحمزة وأسامة. وتطلق الكلمات المذكرة علما علي الأنثي مثل: هند ودعد وزينب ومريم.

ثم تعمل اللغة علي إزالة الفارق النوعي لتحتمل الكلمة الأنوثة والذكورة معا، فنقول: «رجل خصم» و«امرأة خصم» و«امرأة عدل» و«رجل عدل» و«رجل ضيف» و«امرأة ضيف».

ويستوي التذكير والتأنيث في كم هائل من المفردات التي يصعب حصرها مثل: فرس وخمر ودلو وسلاح وسكين وسلم.

أما أعضاء الإنسان، ففيها ما يذكر مثل: «الرأس والوجه والشعر والفم والحاجب» وفيها ما يؤنث مثل:  «العين والكف والأذن» وفيها ما يذكر ويؤنث مثل: «عضد وإبط وضرب وعنق وعجز».

ويهمنا أن نشير هنا إلي قول الثعالبي في كتابه «فقه اللغة»: إن من سنن العرب تذكير المؤنث وتأنيث المذكر، ويقدم أدلته من القرآن في مثل قوله تعالي: «وقال نسوة في المدينة» وقوله تعالي: «قالت الأعراب آمنا»، وقد ذكر القرآن «الطاغوت» في قوله: «يريدون أن يتحاكموا إلي الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به» وأنثه في قوله: «والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها».

 

المزج بين الجنسين

ويظل التمايز حينا والتداخل حينا بين الذكورة والأنوثة سائدا في الإجراء النحوي والصرفي، فهناك ضمائر للمؤنث، وأخري للمذكر، ثم يزول هذا التمايز في ضمائر مشتركة بينهما مثل: «أنا ونحن» في ضمائر المتكلم، و«هما» في ضمائر الغائب، و«أنتما» في ضمائر المخاطب.

كما جمعت اللغة بين الذكورة والأنوثة في صيغ معينة،أشهرها صيغة «فعول» بمعني فاعل، مثل: صبور بمعني صابر، وشكور وجهول وحقود. وصيغة «فعيل» بمعني مفعول، مثل: جريح، بمعني مجروح وقتيل بمعني مقتول.

وبما أن اللغة وعاء الفكر وانعكاس للواقع، فإن احترام الواقع الاجتماعي القديم للأنثوية نسب بعض القبائل للأمهات مثل قبائل: خندف وطهية وبجيلة، كما أن بعض الشعراء كانوا ينسبون لأمهاتهم مثل: شبيب بن البرصاء، وابن ميادة وسواهما.

وهذا الوعي الذي يحترم النوعية عموما، عبر عنه المتنبي في قوله:

«وما التأنيث لاسم الشمس عيب/ ولا التذكير فخر للهلال».

نخلص من هذا إلي أن مقولة «ذكورية اللغة» مقولة لا تعبر عن الواقع اللغوي تعبيرا دقيقا، وربما كان الأدق أن نقول «أنثوية اللغة» أليست مفردة «اللغة» نفسها أنثوية؟

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002