|
الشخصية المصرية التي هي همنا الأول المتعددة الثقافات،
وطبقا للتقرير، ذات ثراء يفوق الشخصية الغربية أحادية البعد (ابنة
الاغتراب الرأسمالي) والتي كتب عنها فيلسوف مدرسة فرانكفورت هيربرت
ماركوز منذ حوالي نصف قرن. فهل نحن غافلون عن ثرواتنا الكامنة بينما
نحن علي أبواب الدخول إلي الحداثة والليبرالية في نظام عالمي وغير
واعين بشروطه؟
من وحي تقرير التنمية والحريات الثقافية
دروس في التعايش مع التعددية والاختلاف من كندا والهند
وماليزيا وأمريكا
* مصر القديمة نموذج مثالي لما ورد في تقرير التنمية عن
ثقافة التعدد والاختلاف * نمتلك شخصية ثرية تحمل مواريث متعددة المشارب
علي عكس الشخصية الغربية ابنة الاغتراب الرأسمالي
محمد البدري
يبدو أن كل عام يأتي لنا التقرير العالمي بما يفسد
قناعات شعوب العالم ويبدد لها أوهامها وينغص ويعكر علي نظمها السياسية
صفوها بأنها ليست علي الطريق الصحيح للتنمية والتقدم. فالتقرير رغم انه
كان يعدد في السنوات الماضية أسبابا واضحة للعيان يعرفها الجميع من
قصور في الأداء وتبديد للثروات وفساد للإدارة كذلك لاضطهاد وظلم أو
حروب دينية ومجاعات. إلا انه هذا العام أتي بجديد لم يخطر علي بال
الكثيرين ممن استناموا علي فكرة أن العدل سيتحقق أوتوماتيكيا لو زال
الاستعمار أو عادت الحقوق المشروعة وغير المشروعة، أو أن الوحدة أو
العودة إلي الدين هي رافعة للتنمية ومن ضرورات البقاء. فكم هو مؤسف
لشعب ما أن يمجد تاريخه وأقواله السابقة بأكثر من اهتمامه بمستقبله
وإبداعه لمفاهيم جديدة.
تقرير هذا العام منصب بالأساس علي الحرية الثقافية.
عنوانه الفرعي "الحرية الثقافية في عالمنا المتنوع". فياله من بعبع
جديد وكابوس ثقيل للشموليين ومن هم علي شاكلتهم من السياسيين.
أفغانستان و العراق كانتا في واجهة التقرير ليس لكونهما اكثر المجتمعات
قهرا للثقافات لكنهما اكثر تفجيرا لها بعد تحرير الأولي من هيمنة
السلفية العربية/ الإسلامية بقيادة ثقافية لتنظيمي القاعدة وطالبان.
فرغم أن أسباب غزوهما من قبل الأمريكيين فيما بعد كان العلاقة بالإرهاب
إلا أن مشكلاتهما الثقافية المتنوعة داخلهما طفت علي السطح وشغلا مساحة
من الحوار عن الحرب الدائرة في كل منهما خاصة بعد أحداث تفجير تماثيل
بوذا تحت هيمنة طالبان والقاعدة في أفغانستان ثم الكشف عن المذابح
الجماعية للشيعة والأكراد وغيرهم من المعارضة في العراق. هنا يبدأ
التقرير متسائلا: "كيف سيلبي الدستور العراقي الجديد مطالب الشيعة
والأكراد بتمثيل منصف؟ وأي لغة وكم لغة من اللغات المحكية في أفغانستان
يجب أن يعترف بها الدستور الجديد لغة رسمية للدولة؟
زحف الأصولية
التقرير في بحثه، طبقا لعنوانه، عن التنمية كهم أول بدا
ساعيا إلي مناطق الهوية والثقافة كقيمة تنموية وعنصر فاعل داخل الشخصية
الإنسانية، و لم تكن محل اعتبار في الماضي كمفردات تدخل في المعادلة
التنموية للمجتمع. فاعتبار أن قهر هوية أو ثقافة ووضعها مهمشة داخل
كيان اكثر شمولية يعد تعطيلا لطاقات إبداعية وإنتاجية وذات مردود
اقتصادي يجعلنا نذكره ضمن ما نسيناه في ظل الهويات القاتلة التي دافعنا
عنها طويلا ولم يكن لنا من نصيب منها سوي الهزيمة ثم الاتهام بالإرهاب
والتدحرج إلي مستوي أكثر تدنيا مما كنا عليه في تقرير العام الماضي
فبتنا نحتل الموقع 127. فبقدر من المضاهاة بين الهويات التي تزحف علينا
كالأصولية وبين الانحدار إلي ذيل قوائم الدول النامية يشي بأن هناك خطأ
ما يجب تصحيحه.
ولأن الديموقراطية والحرية السياسية باتا من ضرورات
التنمية ولا مجال للإطاحة بهما كما كان في الماضي من اجل تنمية عرجاء
أو كاذبة فإن قبول التنوع والتسامح الثقافي من قبل الجميع يعد معطي
ديموقراطيا جديدا يؤدي بالضرورة، كما في تجارب متعددة، إلي تنمية في
سياق عموم التنمية الشاملة للمجتمع. ويوفر طاقات بددت دوما لصالح هيمنة
إحداها علي الأخري . ولم يشح التقرير عن الاتهامات المزمنة بأن التنوع
هو تفتت كما تدعي الشموليات العرقية والدينية والأيديولوجية، وضرب مثلا
بالولايات المتحدة المتنوعة العرقيات برغم من بعض التجاوزات وكان المثل
الأفدح ضمن سياق التقرير مدينة تورونتو الكندية كنموذج للرقي والنمو
كعروس للشمال الأمريكي برمته رغم أن نصف سكانها ولدوا خارج كندا.
فالذكاء السياسي يقع في دائرة الإدارة الحكيمة للتنوع الثقافي قبل
العرقي ضمن مجموع السكان.
التناقض الظاهري
الوحدة الوطنية والتعددية الثقافية تبدوان متناقضتين
ظاهريا لكن الأمثلة التي تدحضها كثيرة. ويمثلها نموذج الهند والولايات
المتحدة وكندا، وضرب مثلا ببلجيكا كذلك سويسرا التي تتحدث أربع لغات،
وأيضا المملكة المتحدة. فالتماسك الوطني في ظل مثل هذا التنوع يجعلنا
نبحث عن طرائق تفكير سياسييهم وعلماء الاجتماع عندهم واصحاب النظريات
الاقتصادية لديهم في كيفية الحفاظ علي كل هذا الكوكتيل الثقافي مع بناء
القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية أيضا. بينما نحن في ذيل القائمة
رغم التغني بهوية أحادية تقع كأفضل خيار بين الأمم. ماليزيا التي كانت
تسعي للاستقلال في بداية ستينات القرن الماضي كانت النموذج الأكثر
فداحة من ناحية التعدد الثقافي وتحقيق معجزة التنمية في آن واحد. تضمنت
سياستها توافقا بين العرقيات والثقافات المالاوية والصينية والهندية مع
ارتداء عباءة إسلامية. وهنا باتت نظريات ارتكن إليها الكثيرون في ان
التنمية علي غرار نظرية ماكس فيبر في الاستعلاء البروتستانتي في
الاتجاه الفردي والرأسمالي تدحضها تحولات تنموية اكثر زخما وتعجيلا في
الزمن الحديث ومن ثقافات خارج الأنساق الدينية المعروفة.
في المقابل هناك فشل في مناطق أخري كثيرة لكن ليس بسبب
ذات التنوع إنما يرجع الأمر إلي إدارة تلك التعدديات وكيفية وضع دستور
أو تعاقدات مدنية يتفق عليه الجميع تضمن حقوقا لهم دون عدوان منهم عليه
أو علي بعضهم البعض ليقطع الطريق مع سلطة تريد الانحياز لجماعة بعينها.
وركز الخيار لدي الأفراد في اختيار هويتهم الثقافية
بذاتهم دون إملاءات خارجية او أبوية او سلطوية سياسية ثم قياسه بكونه
مصدرا للقوة ومؤشرا للتنمية بعكس ما هو سائد في العالم الثالث ومنطقة
الشرق الأوسط من حفظ للقيم والممارسات مع ولاء اعمي للتقاليد. فالثقافة
في تعريفها العلمي هي منظومة متحركة وليست مجرد حفرية من زمن قديم
مجمدة او محنطة. فالمجتمعات الحية، من اجل التكييف واستمرارا للمعايشة،
تعيد تعريف ما ورثته من قيم وتكيفها تمشيا مع تغيرات الواقع. وفي احلك
الظروف تتم المغادرة النهائية لبعضها أو كلها ويحدث ما يسمي بالانقطاع
الثقافي. وليس الأمر مجرد إقامة متحف للثقافات او حفظ لها في ثلاجة
أصولية بل إقامة حوار حر دون قيد او شرط ودون خوف من ايه قدسية لما
تحمله كل ثقافة من موروث ومن مستجدات هي قائمة بالضرورة لا يمكن
التغاضي عنها. إنه الاحتفاظ بهوية ديناميكية مع فسحة للتجديد والتغيير
والمغامرة بالمغادرة إذا لزم الأمر عندما تصبح الخيارات الأخري اكثر
جدوي وشرط بقاء. مصر القديمة والحديثة نموذج مثالي تعسفي لما أتي به
تقرير التنمية الأخير عن الحرية الثقافية. وهي ذاتها تقع في نفس المأزق
بعد أن بات التكيف مع العالم مستحيلا تحت ما يرزح فيه أهلها من ثقافة
باتت معينا مرادفا للإرهاب والتعصب وتتعسر في الإنتاج ومبادلات السوق.
مزايا التعدد
الجانب الآخر لما يلقي به التقرير علي أسماعنا أن
للتعدد الثقافي مزايا أهمها إعادة اكتشاف الذات في عيون الآخر وخلق
توافقات ومغادرة للاستبعادات. فضرورات الوجود في وطن واحد والحاجة
للنمو المتزامن والعادل دون افتئات بات ضرورة تلزمها حرية من نوع خاص
يكون القبول مفتاحها والتعرف علي ما لدي الآخر مكسبا. فالتقرير اعتبر
أن النظم السياسية الشمولية فرضت نوعا من الجبرية الثقافية باتت معها
التنمية مستحيلة علي المدي الطويل، وهو ما نراه في حال الاتحاد
السوفيتي والصين كنموذجين لم يسمحا بالتعدد ويقابلهما النظم العربية
والمستعربة في الشرق الأوسط التي لا يمكن إخفاء فشلها رغم ادعاء الوحدة
والهوية الصلبة والمدعومة من أديان السماء في بعض الأحيان.
هناك إذن اتفاق بأن المجتمع ذا البعد الثقافي الواحد هو
مجتمع ضعيف هش، ومصدر خطر، لا تغذيه شرايينه الداخلية بدماء جديدة
ويكره الآخر الخارجي لأنه لا يري فيه من صورته شيئا مماثلا. وحالنا في
مصر يتقاطع مع التقرير حاليا وعبر التاريخ بالسلب والإيجاب. هويات
متعددة تتابعت علينا ونتبناها. زرعت بينها فجوات لضمان الفصل بينها.
بينما واقع الحال يقول بأن التاريخ الذي نحمله علي ظهرنا في اتصال
ويتبدي كما لو انه حاضر في كل لحظة عندما يستدعي الحال النجدة من الذات
بعد تقاعس الآخرين من مد يد العون. الشخصية المصرية التي هي همنا الأول
المتعددة الثقافات وطبقا للتقرير ذات ثراء يفوق الشخصية الغربية أحادية
البعد (ابنة الاغتراب الرأسمالي) والتي كتب عنها فيلسوف مدرسة
فرانكفورت هيربرت ماركوز منذ حوالي نصف قرن. فهل نحن غافلون عن ثرواتنا
الكامنة بينما نحن علي أبواب الدخول إلي الحداثة والليبرالية في نظام
عالمي وغير واعين بشروطه؟ |