لابد من وقفة عندما نكتشف أن هناك من يكره أمة وشعبًا بكامله

هكذا تتم صناعة الكراهية

هناك بديهية تقول: إن الإنسان عدو ما يجهل، وفي المجتمعات التي يسودها الجهل تتسم نظرة الإنسان للحياة بالخوف، ومن ثم تكون مشاعر الكراهية هي الأقرب، فإذا شبهنا الجهل بالظلمة، فإن من يسير في مكان مظلم لا يري من معالمه شيئا يكون متلبساً بالخوف والكراهية لكل صوت يسمعه وكل لمسة يلمسها.

 

لابد من وقفة عندما نكتشف أن هناك من يكره أمة وشعبًا بكامله

هكذا تتم صناعة الكراهية

* الابتهاج والفرح بمشاهد قتل الأبرياء والرغبة في تدمير الآخر.. كلها أمور تخرج عن سياق الكراهية الفطرية * الإحساس بالدونية وطبيعة المكان والتراث والظروف الاقتصادية.. هي أبرز عوامل صناعة الكراهية

كمال غبريال

 

إذا كان من الصحيح بوجه عام أن الأفراد والأمم تسعي في الاتجاه المحقق لمصالحها، المادية علي وجه الخصوص، فإن المراقب لشرقنا الكبير يستطيع بسهولة أن يلاحظ أنها تسعي في عكس الاتجاه، بل وتندفع نحو صدام مع العالم المتحضر، بعاطفة جياشة، عارية من أي حسابات عقلانية للعواقب، ويمكن اختصار هذه العاطفة الجياشة في كلمة "الكراهية"، كما يستطيع المراقب المنصف أن يقرر أن جزءاً كبيراً من الكراهية المزدهرة ليس رد فعل سلبيا علي فعل من طرف مقابل، وعلي هذا الجزء ينصب حديثنا، علي الكراهية للآخر بما أنه آخر.

من المثير للانتباه أن الكراهية محل اهتمامنا متغلغلة علي مستوي الأفراد في المنطقة، نحو أمم بكاملها، غالباً لم ير أي من هؤلاء الكارهين فرداً واحداً من أفرادها، فالمفترض أن العواطف حباً وكراهية تكون من فرد لفرد، تعامل معه ثم كرهه، أما علي مستوي الدول والأمم، فيكون الخلاف ربما إلي حد العداء بين الحكومات، لا يمنع أن تكون مؤيدة من شعوبها، لكن أن يتحول الأمر إلي عداء شعبي من أفراد أمة ما لأفراد أمة أخري، وهو ما نراه في أعمال قتل الأبرياء هنا وهناك، وما يصاحبها من ابتهاج مشوب بالغلِّ علي المستوي الشعبي، فيما الحكومات، الأولي أن يكون الخلاف علي مستواها لا يتعداه، علي علاقات صداقة أو تحالف، فهذا ما يثير اهتمامنا لنرصده بالتحليل.

رغم هذه المشاعر نحو عالم بكامله، العالم الغربي، فإن أعداداً هائلة من أفراد شعوبنا تسعي للنزوح للعالم المكروه، سواء بطرق شرعية أو غير شرعية، ويموت المئات منَّا سنوياً غرقاً في البحار خلال عمليات تسلل غير شرعية لذلك العالم الكافر الفاسق، ومن بين الآلاف أو الملايين التي تستقر هناك، قليلون علي ما نعتقد يحتفظون بمشاعر طيبة للمجتمعات التي آوتهم وفتحت لهم ذراعيها، والأغلبية تحتفظ بكراهية ربما تتضاعف، فيما ينخرط صفوتهم في التحريض علي تدمير تلك المجتمعات، ليستجيب لتلك الدعوات نفر من خيرة الشباب حسب تقييمنا.

إذا كان لنا أن نقفز إلي ادعاء أن استشراء أو استزراع الكراهية، في بعض المجتمعات علي الأقل، أسرع وأسهل من استزراع الحب، فإن علينا أن نتباحث في المقومات التي تدعم هذا النوع من العواطف.

 

الكراهية الفطرية

العاطفة الأولي التي سيطرت علي الإنسان الأول يوم فارق القردة علي قمم الأشجار، وقرر أن يسكن الأرض، ومع الوقت واستخدام وعيه المتنامي أخذت عاطفة الخوف تتحول إلي اتجاهين:

1 ـ اتجاه الكراهية إزاء مثيرات الخوف (الكائنات) التي بدأ في منازلتها، أو تصور نفسه قادراً علي ذلك.

2 ـ اتجاه التعبد، ليسترضي مثيرات الخوف التي قدَّر أن لا قبل له بمواجهتها، فعبد الشمس الحارقة والأمطار والرعد والحيوانات الشديدة الافتراس وما شابه.

ومع مسيرة الحضارة بدأ الإنسان، يعرف عواطف أخري مثل الحب، لتبقي الكراهية العاطفة الأولي والأقرب للفطرة، مصحوبة بقدرة علي الحب تتوقف علي درجة التحضر، بوصفها عاطفة دخيلة تحتاج لعناصر غير فطرية (حضارية) لتدعيمها في مواجهة إلحاح الكراهية الفطري في أعماق الإنسان، ومن الطبيعي أن تميل الأحجار دائماً إلي السقوط، ومن هنا نكتشف سر رواج دعوات الكراهية، فهي دعوة للسقوط، والاستجابة لها سهلة ومرغوبة لأنها لا تكبد عناء، بل وتستجيب لنداء الفطرة الإنسانية، عكس دعوة الحب والتحضر.

 

التفرد والجغرافيا

الإنسان فرد فريد لا يتكرر unique ، وهذا علي المستوي البيولوجي وعلي مستوي الوعي والإرادة المستقلة، ويؤدي هذا التفرد الطبيعي بمعني الحتمي إلي تقاطع رغبات وميول البشر، وبالتالي تولد الكراهية كأحد نتائج هذا التفرد، ووعي الإنسان بتفرده يزداد بزيادة تحضره، وإن كان بنفس الدرجة يزداد وعياً بالقواسم والمصالح المشتركة التي تربطه بالآخر، وبالتالي تخفض من درجة كراهيته للآخر، علي أساس أن التفرد الإنساني ليس تفرداً كاملاً، وإنما هو تفرد جزئي، يختلف حجمه من فرد لآخر، ويمكن القول أن تأثير عنصر التفرد في الدفع للكراهية لا يرتبط طردياً ولا عكسياً بدرجة التحضر أو زيادة الوعي الإنساني، وإنما يرتبط بعلاقة جدلية، تأخذ اتجاهات تتعدد بتعدد حالات التفرد الإنسانية.

وتنعكس طوبوغرافية المكان علي ساكنيه، فالمناطق الصحراوية ذات المناخ القاري تطبع البشر بطابعها فيتسمون بالقسوة، ويصعب تخلصهم من هذه القسوة حتي لو سكنوا المدن، فالتحول إلي أخلاق جديدة يستلزم مئات وآلاف السنين، كما يستلزم نجاح التحول عوامل أخري قد لا يتوفر بعضها.

 

التراث والبداوة

في المجتمعات المحافظة يكون للعقائد والأفكار والنصوص الموروثة أهمية قصوي باعتبارها أفكاراً مقدسة، فإذا ما كانت طريقة فهم أو تفسير هذا التراث الفكري يغلب عليها التحريض علي عداء الآخر، فسوف ينعكس هذا التوجه علي نظرة تلك الشعوب إلي العالم، فنحن لا نتلامس مباشرة مع الحقائق الموضوعية في العالم، وإنما نراه عبر عدسات ملونة من أفكارنا المسبقة.

وهنالك فرق في النظرة إلي الحياة والآخر بين المجتمعات البدوية، التي تعتمد الإغارة والغزو للسلب والنهب كوسيلة لتعظيم الثروة، انتقاصاً لا ريب من ثروة الآخر، وبين المجتمعات الزراعية والصناعية التي تحقق الثروة ببذل جهد يضفي علي المادة الخام قيمة مضافة، دون الحاجة لانتقاص من ثروة الآخر، بل تكون ثروة الآخر في هذه الحالة معينا في تحقيق نجاح العملية الإنتاجية، سواء في مرحلة الإنتاج أو التسويق، ومن الطبيعي أن تنظر مثل هذه المجتمعات للآخر نظرة إيجابية، أو علي الأقل نظرة إلي منافس، في حين تكون النظرة البدوية إلي الآخر نظرة إلي خصم، وشتان بين النظرتين، فالنظرة البدوية إلي الحياة كما لو كانت zero sum game   ككرة القدم، ما يحققه فريق لا بد وأن يكون خصماً من الآخر.

 

الكبت والجهل

يحتل الجنس مساحة واسعة من تكوين الإنسان، سواء البيولوجي أو النفسي، وإشباع الميول الجنسية بصفة عامة يؤدي إلي إزالة التوتر الداخلي الناجم عن الرغبة، وبالتالي الإقبال علي الحياة، لتكتسي مشاعره تجاه كل ما حوله بالود، كانعكاس لتصالح الإنسان مع ذاته بالأساس، ويحدث العكس في المجتمعات المغلقة، التي يعاني أفرادها الكبت الجنسي، حيث يحدث التوتر الداخلي عداء وخصاماً مع الذات، تنعكس علي نظرة الإنسان للحياة عموماً، فيكون أكثر ميلاً للعداء خاصة مع الآخر.

وهناك بديهية تقول إن الإنسان عدو ما يجهل، وفي المجتمعات التي يسودها الجهل تتسم نظرة الإنسان للحياة بالخوف، ومن ثم تكون مشاعر الكراهية هي الأقرب، فإذا شبهنا الجهل بالظلمة، فإن من يسير في مكان مظلم لا يري من معالمه شيئا يكون متلبساً بالخوف والكراهية لكل صوت يسمعه وكل لمسة يلمسها.

وأخيرا هناك الانقيادية وأخلاق القطيع فالشعوب التي تتسم بسهولة الانقياد، وتميل للسير خلف قائد تسلم له مصيرها، تكون أكثر قابلية للوقوع في براثن الكراهية إذا ما دفعها إلي ذلك قائدها، أو النخبة المعينة له، بعكس الشعوب الحرة، التي يتسم أفرادها بنظرة نقدية للحياة عموماً، ولكل ما يقال لها أو تحرض عليه.

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002