|
*
محمد علي. اسمه بالكامل محمد محمد علي أحمد. أعرفه
باسمه المختصر. محمد علي «الفنان التلقائي». كان صائغا
مثل سائر أفراد عائلته لكنه اختار أن يستضيف في شقته
الصغيرة، في المبني العتيق العريق، بحوش قدم، الكيان
الفني «إمام ـ نجم». كانت غرفة نومه صغيرة صغيرة مقاس
سرير واحد لنفر واحد، لكنها كانت لها باب فاعتقد أنها
غرفة، وإن بدت أقرب إلي دولاب في الحائط. جعل الغرفة
الأكبر مرسمه ومقهاه وساحة عرض آخر إبداعات الشيخ
الموسيقي المغني والشاعر، التي خرجت من الكوّة الضيقة
لترج شوارع المدينة، البلاد، الوطن. في حركته الدائمة
الدؤوب يروح ويجيء لا يفتح فمه بأي كلام، إلا عندما
يأتي دوره لينشن علي المقام ويردد خلف «إمام ـ نجم»
غناء النبض الشعبي. ابتسامة ما لا تفارق عينيه كأنه
علي وشك الانفجار بتهكم مرير. هذا الانفجار غالبا لا
يحدث ويظل تعقيبه عما يدور حوله مدلولات من الألوان
والأشكال من مخزون كلمات مكتوبة في قلبه كبح لسانه عن
بسطها. لم يعجبني أبدا توصيفه بـ «فنان تلقائي».
أسميته «فنان النبض الشعبي»، لأنه هو مثل صديقيه كذلك:
تجمعوا في نهاية الستينيات متجاذبين منجذبين متفاهمين
بهذا النبض يستقبلونه ويرسلونه من عمق مواهب فذة تجمعت
قدرا لتحفر في سجل تاريخ حوش قدم دفقة لا تتكرر ولا
تحاكي من الألحان والكلمات والألوان، وظلوا يطلقون
رسائل تلك الدفقة الفنية النابغة حتي بعثرهم الزلزال،
فتفرقوا كل خل في مكان، وإن ظلوا علي طريق النبض
الواحد.
لوحات محمد علي، الذي أتم في مايو
الماضي، 74 سنة، تعكس وجوه رجال ونساء وأطفال تحمل
التعب والمشقة والقهر بصبر وبشاشة، ولا عجب، فهي وجوه
سواد الشعب المصري المُتْعَبْ المشتغل دأبا في صبر
واحتمال ونكته تحت طحن الرحي. محمد علي، الذي أصبحنا
نعرّفه الآن بـ «محمد علي الرسام» «عجوز طفل، وطفل
عجوز»، يتقبل المكسب والخسارة بهدوء واحد. لا يعرف
اليأس ولا يفتقد الأمل.
يغرق لوحاته بالألوان الجياشة المرحة
التي تحمل الفرح، والشجن، والحزن متلازمين. منحه الله
سبحانه نعمة الرضاء، ونعمة الهداية بعد الزيغ، ونعمة
الصفح والتسامح والصبر علي مصاعب فقدان الصحة وتقدم
العمر، وإذا سألته: بتعمل إيه يا محمد؟ يقول: الحمد
لله بشتغل كويّس! |