يتردد عليه الكثيرون للتبرك

مسجد قايتباي .. وحكايات آثار أقدام الرسول # وسيدنا إبراهيم عليه السلام

العامة يتبركون بها رغم أنها غير حقيقية

د. أحمد الزيات: لا يوجد سند تاريخي يثبت صحة سند هذه الآثار

د. محمود كريت: من يتبرك بها آثم ومقصر في حق ربه ودينه

في منطقة شعبية هادئة بقرافة المماليك بالقاهرة يوجد مسجد قايتباي الذي يحوي حجرين عليهما آثار أقدام يقال إنها لرسول الله صلي الله عليه وسلم وسيدنا إبراهيم عليه السلام .. الأمر الذي دفع الكثيرين للتبرك بهما أملا في أن يجدوا مرادهم.

يقول علي إسماعيل مدير إدارة شرق القاهرة للآثار الإسلامية: قايتباي هو أحد سلاطين دولة المماليك حيث جلبه الخواجة محمود تاجر المماليك وباعه للأشرف برسباي بخمسين ديناراً ثم اشتراه الملك الظاهر جقمق واعتقه فتقلب في عدة وظائف حتي صار ملكا سنة 872هـ ومكث في عرش مصر ثمانية وعشرين عاما إلي أن توفي سنة 901 هـ.

ويشير إسماعيل إلي أن قايتباي يعتبر من أشهر ملوك دولة الجراكسة الذين عنوا بالعمارة الإسلامية حيث ينسب إليه كثير من الآثار التي ما تزال باقية حتي اليوم مثل مسجده بالقرافة وجامعه بقلعة الكبش ووكالة قايتباي بشارع الأزهر وجامع الروضة وغيرها.

ضريح قايتباي

وعن مسجد قايتباي بالقرافة يقول إسماعيل: إنه بني سنة 877هـ وهو يتكون من صحن مربع الشكل تقريبا تحيط به أربعة إيوانات معقودة تحيط بعقودها كتابات قرآنية واسم المنشئ وتاريخ الإنشاء.

والمسجد ملحق به مجموعة من المباني تشمل مدرسة وضريحا وسبيلا وكتابا وملحقات أخري خاصة بإسكان المشرفين والقائمين علي خدمة تلك المنشآت.

ويوضح إسماعيل أنه بجوار الإيوان الشرقي يوجد ضريح قايتباي الذي يتكون من مربع تعلوه قبة مرتفعة جدا نقشت من الخارج بزخارف نباتية وهندسية محفورة في الحجر حفراً بارزاً وزخرفت من الداخل بزخارف زيتية ملونة ومذهبة وفتح في رقبة القبة مجموعة من النوافذ المملوءة بالزخارف الجصية المعشقة بالزجاج الملون.. وبجوار قبر قايتباي توجد قبة صغيرة من النحاس المذهب تحتها حجر أسود به أثر لقدمين يقال إنهما لقدمي الرسول عليه الصلاة والسلام.. كما توجد قبة أخري علي شكل مسلة بها حجر أسود عليه أثر قدم يقال إنه قدم الخليل إبراهيم عليه السلام.

التبرك بالآثار

ويشير محمد الصريطي حارس المسجد إلي أن كثيرا من الناس يأتون للتبرك بآثار هذه الأقدام سواء من أهل المنطقة أو من خارجها حيث يضعون أيديهم عليها ويقومون بالدعاء سرا.

ويضيف الصريطي .. بالنسبة لي لا أعلم حقا إن كانت هذه الآثار فعلا لقدمي رسول الله صلي الله عليه وسلم وسيدنا إبراهيم أم لا وإن كنت أرجح بالفعل أنها لأقدامهما الشريفة خاصة أنني علمت أنها وردت بكتب الإرشاد السياحي.

ويقول محمد زكريا -بقال- منذ ولادتي بالمنطقة وأنا أسمع عن أن الآثار الموجودة بالمسجد هي لقدمي الرسول وسيدنا إبراهيم عليهما السلام وكنت أري الكثيرين يأتون للتبرك بها من مختلف الفئات والطبقات بغرض الشفاء من مرض ما أو الزواج أو النجاح أو أي شيء آخر .. ورغم أنني لست متأكدا من أن هذه الآثار لأقدام الرسول وسيدنا إبراهيم عليهما السلام إلا أنني أحيانا أذهب إليها وأتبرك بها.

ويضيف أيمن السويفي - موظف - لقد قرأت في إحدي الكتب أن هذه الآثار هي بالفعل لقدمي الرسول صلي الله عليه وسلم وسيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث قام أحد الأمراء بشراء الحجرين المطبوع عليهما هذه الآثار من مكة بثمن كبير من أجل وضعهما في مصر وقام قايتباي بوضعهما في مسجده تبركا بهما.

ويتساءل خالد محمد - طالب- إن أثار الأقدام الموجودة بمسجد قايتباي موجودة بمساجد أخري عديدة مثل مسجد أثر النبي بالقاهرة والسيد البدوي بطنطا والمرسي أبو العباس بالإسكندرية ومساجد أخري بالدلتا .. فهل كل هذه الآثار هي فعلا أثار قدمي الرسول؟! وإذا كانت بالفعل كذلك .. فمن الذي قام بجلبهما إلي مصر؟! وهل جلبوا علي فترات أم مرة واحدة؟!

سند تاريخي

كانت د. سعاد ماهر قد أوردت في كتابها «مساجد مصر واولياؤها الصالحون» إن الإمام السيوطي سئل عن هذه الأحجار التي تحتوي آثار الأقدام فأجاب بأنه لم يقف في ذلك علي أصل ولا سند من كتب الحديث .. وقد انكره كثير من العلماء واثبته بعضهم.

وقد جاء في كتب «الآثار النبوية» لأحمد تيمور أنه إذا صح شراء السلطان قايتباي لهذين الحجرين أو أحدهما فلا يستبعد أن يكونا من الأحجار التي قيل إنها أحضرت من أرض خيبر بالمدينة المنورة ليجعلها في بناء مدرسته التي شرع في بنائها بشاطيء بولاق.. لذا يحتمل أن السلطان اختار منها هذين الحجرين ونقلهما إلي قبته.

ويقول د. أحمد الزيات أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة طنطا: هناك رأيان في هذا الجانب .. الأول يري أن الآثار الموجودة بمسجد قايتباي وغيرها من المساجد الأخري هي فعلا لقدمي الرسول منطلقا من أن الرسول كانت له كرامات من بينها أن قدميه كانت تطبع علي الأحجار التي يمر عليها .. أما الرأي الثاني فيري أن هذه الآثار ليست لقدمي الرسول وذلك لعدة اعتبارات أهمها اختلاف المادة الخام الموجود عليها آثار الأقدام في كل مكان موجودة به هذه الأحجار عن الأمكنة الأخري سواء في مسجد قايتباي أو مسجد أثر النبي أو مسجد المرسي أبو العباس أو السيد البدوي فقد تكون مادة الحجر من الحجر الرملي أو الحجر الجيري أو البازلت.. هذا بالإضافة إلي اختلاف حجم القدم في كل مسجد عن باقي المساجد الأخري.

ويميل د.أحمد إلي الرأي الثاني حيث يري أنه الأقرب إلي العقل والمنطق خاصة في ظل عدم وجود سند تاريخي يؤكد أنها آثار أقدام رسول الله صلي الله عليه وسلم.

ويضيف د. أحمد: إن هذه الأحجار جاءت إلي مصر من خلال بني إبراهيم الذين ارسلوا في العصر الأيوبي إلي ينبع لإحضار مخلفات الرسول.. مشيراً إلي أن المخلفات الحقيقية كانت عبارة عن شعيرات من رأس وذقن الرسول الشريفة وعصاه وقميصه المصنوع من نسيج القباطي كانت أهدته له السيدة ماريا القبطية إضافة إلي المرود والمكحلة .. وقد وضعت هذه المخلفات في منطقة الرباط ونقلت بعد ذلك إلي أكثر من مكان إلي أن استقرت بجوار المشهد الحسيني .. ولم يأت أي سند تاريخي يثبت أن الأحجار الموجودة بمسجد قايتباي وكانت من بين المخلفات ولو كانت هذه الآثار هي فعلا لقدمي الرسول وسيدنا إبرهيم لحفظت مع المخلفات النبوية في مكانها الحالي.

 آثم ومقصر

وعن الوجهة الدينية في هذه القضية يقول د. محمود يوسف كريت رئيس قسم الدعوة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر: الإسلام يرفض التبرك بمثل هذه الأحجار لأمور عديدة منها أنه لا يوجد دليل عي أن الآثار الموجودة عليها هي لقدمي الرسول أو سيدنا إبراهيم عليهما السلام .. كما أن العبادة وحدها والاجتهاد في طاعة الله هي العامل الأساسي الذي يقرب الإنسان من ربه وليس مثل هذه الأفعال، وقد أشار النبي إلي ذلك حين قال لابنته فاطمة «يا فاطمة اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا» لذا فإن من يفعل ذلك فهو آثم ومقصر في حق ربه ودينه، فالمسلم يجب عليه أن يعبد الله لوجهه الكريم وأن يتقرب إليه بالعمل الصالح وقد قال تعالي «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص».

محمد شعبان

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002