|
كانت آخر المحاكمات التي عقدت لداعية
الإسلام بديع الزمان سعيد النورسي (1294 ـ 1379هـ،
1877 ـ 1960) ـ وحياته سلسلة من المحاكمات ـ تلك التي
عقدت في سنة 1958م.
وكعادة النورسي، كان يحول محاكمته إلي
محاكمة لجلاديه وسجانيه!.. ولقد توجه بالمرافعة إلي
قضاته، فقال:
«أنتم تعلمون، دون شك، الاعتداءات
الشنيعة التي تمت ضد دين هذه الأمة التركية، وضد
إيمانها وقرآنها ونبيها، والإهانات التي وجهت إليه.
وإذا كان هناك احتمال ضعيف جدا في أن المدعي العام لا
يعرف هذا، فإننا نسرد هنا بعضا منها:
* من هم الذين قاموا بمنع دروس الدين
من المدارس؟.. وأغلقوا جميع المؤسسات الدينية؟!
* من هم الذين منعوا الأذان المحمدي،
ورموا إلي السجون كل من يتجاسر علي قول «الله أكبر» في
الجوامع أو من فوق المنابر؟!
* أية آياد قامت بمنع دخول الكتب
الدينية إلي بيوت الشعب، وبسجن علماء الدين، وبإهانة
المتدينين ومحاربتهم حتي أشرفوا علي حافة التسول؟!
* أي رئيس وزراء خطب من فوق منصة مجلس
الأمة قائلا: «إن الدين سم زعاف»، وإنه يحتاج إلي
ثلاثين سنة أخري لكي ينتزع الدين من رؤوس الشعب؟!
* وأي رئيس وزراء وصف أصوات التكبير في
الأذان بأنها كأصوات الأشباح التي بعثت من القبور؟!
* من هم الذين قاموا بفتح المحافل
الماسونية، وبرفع كلمة التوحيد من الرايات العسكرية؟!
* من هم الذين شتتوا أئمة ومفتي
الوحدات العسكرية؟!
* ألم يقم هؤلاء بإزالة الآيات
القرآنية من المساجد؟!
* ألم يحولوا الجوامع إلي مخازن للجلود
أو إلي متاحف أو إلي اسطبلات؟!.. ألم يعطوا بعضا منها
إلي الأرمن؟!
* ثم.. ألم تنزل اللوحات الكبيرة
المخطوطة عليها أسماء الله واسم رسوله الكريم ـ صلي
الله عليه وسلم ـ وأسماء الصحابة الكرام من علي جدران
«أيا صوفيا» ليظهروا بديلا عنها تماثيل العهد
البيزنطي، لكي يقلبوا «أيا صوفيا» إلي متحف كنسي؟!..
ألم يرغبوا في تمزيق هذه اللوحات، وفي هدم منائر «أيا
صوفيا»؟!.. ألم يمنعوا الأطفال من سماع تلاوة القرآن
الكريم من الشيوخ؟!.. ألم يجمعوا صور الكعبة المشرفة
وأتلفوها؟!.. ألم يمنعوا المسلمين من الحج؟!. وعندما
منعوا استعمال الحروف العربية، ألم يحتفلوا بذلك علي
موائد الشراب؟!.. وفي الذكري العاشرة لهذا المنع ألم
يتظاهروا في الشوارع حاملين معهم شعارات تقول: «لقد
منعنا تلاوات الرهبان» ـ مشيرين بذلك للقرآن
الكريم؟!.. ألم يقوموا بالإيعاز إلي معلمي المدارس
بتحقير الدين وإهانته؟.. ألم يكونوا علي وشك أن يمنعوا
استعمال لغة القرآن في الصلاة؟!
تلك بعض من بنود لائحة الاتهام، التي
حاكم بها النورسي ـ وهو في قفص الاتهام ـ الحكام
والجلادين، من الزنادقة وغلاة العلمانيين.. وفيها من
البشاعة ما يجعل محنة الشعب التركي ـ في ظل
الأتاتوركية ـ مأساة فريدة بين مآسي الأمم والشعوب..
الأمر الذي يجعل مقام بديع الزمان النورسي بين عظماء
الأئمة الذين نذروا حياتهم لحراسة القرآن والإيمان. |