هل نعلنها علمانية ليرتاح الجميع؟

المسيحيون والمسلمون ضحايا «الإخوان»

* منذ عام 1928 فقدت مصر السلام الاجتماعي فور الإعلان عن تأسيس الجماعة رغم أنهم في البداية كانوا يهتمون بالدعوة لكنهم انقلبوا إلي حزب سياسي

* في نظر الإخوان: كل المصريين من المسلمين قبل الأقباط يعيشون في الجاهلية.. وانطلقوا من معاقلهم التي روضهم فيها عبدالناصر يثيروا الفتنة في عهد السادات

* قضية وفاء قسطنطين كشفت حالة الاحتقان بين المسلمين «المسيحيين» والأزمة لن تحل بالمسكنات

انهارت الخلافة العثمانية سنة 1924، وكان لابد أن تنهار لأنها حكمت بشريعة الإسلام اسما لا فعلا، فواقع الحال كان بعيدا عن الإسلام بعد الأرض عن السماء.

تعاليم السماء يضمها كتاب الله لكن الدولة العثمانية حكمت بتأويلات فاسدة ومرويات شاذة وأحكام فقهاء ما أنزل الله بها من سلطان.

وأقامت «مصر» دولة تقترب مما عرفته أوروبا في أعقاب الثورة الفرنسية وحسمت سؤال الهوية، وتبنت مبدأ المواطنة. وطن واحد تتعايش علي أرضه شريعتان.

وسارت في طريق التحضر والإنسانية بفضل المصلحين من حكام وفقهاء: محمد علي، رفاعة الطهطاوي، محمد عبده.

ثم كان يوم عابس من عام 1928 تداعت بعده الأحوال حتي صرنا إلي ما نحن فيه اليوم، حيث نجد أنفسنا أمام السؤال الكبير: نكون أو لا نكون؟ هذا يوم أن قامت جماعة: «الإخوان المسلمون» حيث فتحت علي مصر طاقة يطل منها الدين ليختلط بشئون الدنيا. ويا ليته كان دين كتاب الله وسنة رسوله الحقة، لكنه كما قال الإمام محمد عبده ـ دين المتكلمين والمؤرخين والفقهاء!

 وهو نفسه الذي أودي بدولة الخلافة:  مظاهر وتعصب ولا عدل ولا خير لا وجمال!

* انحراف الجماعة

ومن الأمانة أن نقول إن الإخوان في بادئ  أمرهم مشوا في طريق الدعوة إلي الله لكن أهواء البشر دائما تدخل لتفسد الأمور فما لبثت الجماعة أن انقلبت إلي حزب سياسي ينافس علي السلطة بهدف إقامة الخلافة الإسلامية من جديد.. وكأننا لم نجربها ولم نعان منها.

واتبع الجماعة مريدون كثيرون ليس في مصر وحدها وإنما في الدول العربية والإسلامية، حيث أصبح لها فروع ومراكز في كل البقاع.. وأيدها غالبية المسلمين وكيف لا وهي ترفع شعارا جذابا مثيرا: «الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمي أمانينا».. وتخيل الناس أنها سوف تعيد عصر الخلفاء الراشدين.

لكن هيهات فقد سلكت الجماعة طريق الاغتيالات السياسية، وواربت باب جهنم علي الأمة الإسلامية، الذي سوف يفتح بعد ذلك علي مصراعيه.

* مبادئ سيد قطب

اصطدمت الجماعة بالأحزاب السياسية قبل الثورة. وناطحت الثورة وكالت لها الثورة الضربات من محاصرة وقتل وسجن واعتقال وتعذيب.

وظهر منظرها سيد قطب الذي هتك الأستار وبذر بذور الكارثة بكتابه: «معالم في الطريق» وتقرأ فيه ما يلي:

«ـ هذه الأمة المسلمة قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا.

ـ إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية لأنه أسند الحاكمية للبشر.

ـ من أجل أن الجاهلية لا تتمثل في نظرية مجردة، ولكن تتمثل في تجمع حركي. فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية لابد أن تتمثل في تجمع حضري حركي، أقوي في قواعده النظرية والتنظيمية وفي روابطه وعلاقاته من ذلك المجتمع الجاهلي القائم فعلا.

ـ الأفراد المسلمون نظريا سيظلون يقومون فعلا بتقوية المجتمع الجاهلي وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوي، وذلك بدلا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي.

ـ يجب أن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولاءه من قيادة التجمع الحركي الجاهلي سواء كانت قيادة دينية أو سياسية واجتماعية واقتصادية وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد وفي قيادته المسلمة»، انتهي.

وكان النظام برئاسة «جمال عبدالناصر» يكتم أنفاس الجماعة.. لكن مجيء «السادات» قلب الموقف. فكما هو معروف أراد أن يضرب الاتجاه اليساري ورأي أن أشد من يتصدي له هو الاتجاه الإسلامي، فرفع عنه الغطاء وكانت قد تغيرت معالمه فقد تفرعت منه تأثرا بنظريات سيد قطب ما سميت بالجماعات الإرهابية.

ووثق «السادات» بنفسه وبولاء الجميع الذي كان يعبر عنه بقوله «إنه كبير العائلة المصرية» وقال إنه لا دين في السياسة، وتصالح مع اليهود.. وكان أول الضحايا للتيار الجامح الذي فك عقاله.

وفشت ما تسمي بالصحوة الدينية، ومظاهرها من اللباس والتعبد الخليجي التي نراها إلي اليوم.

*  نبوءة عمر الخيام

وعاثت الجماعات الإرهابية فسادا في ربوع «مصر» فضربت الحكومة والأهالي مسلمين ومسيحيين فالكل في نظرها جاهليون يجب القضاء عليهم.

 وطالما كتبنا عشرات المقالات نبين فيها أن الإرهاب ليس من الإسلام وأن التجمع الحركي الإسلامي الذي دعا إليه سيد قطب يقوم علي أسس تخالف كتاب الله. وإنما هذا التجمع الذي برز في صورة الجماعات الإسلامية، يعتنق إسلاما غير إسلام الكتاب والسنة.

وكم كان «عمر الخيام» علي حق حين أبدع شعرا خاطب به رسول الله صلي الله عليه وسلم قائلا له: جاءوا بعدك زخرفوا الدين وزينوه، وزركشوه حتي لو رأيته أنت لأنكرته.

 ثم بعد متابعات أمنية واعتقالات توافرت الظروف لزعماء الجماعات للاطلاع علي القرآن والمراجع الصحيحة، فاعترفوا بخطأ ما كانوا عليه وبخطأ نظريات سيد قطب.

وأعلنوا ذلك في نشرات وكتب وقدموا اعتذارهم للشعب عما أحدثوه من خسائر في الأرواح والأموال.

بيد أن أعمال العنف التي طالت إخواننا الأقباط، والمناخ العام الذي ساد، حرك فيهم مشاعر التوجس والقلق، ودهمت نفوسهم أسئلة عن ماذا يكون المصير لو قامت الدولة الإسلامية، وأكد مخاوفهم ما أعلنه يوما مرشد الإخوان، إنهم إن أتوا إلي الحكم فسوف يعاملون الأقباط علي أنهم «أهل الذمة»!! أي نعود القهقري مئات السنين إلي فجر الإسلام حيث كان الرفض والتآمر علي الدولة الوليدة هو سمة أهل الجزيرة العربية.

وشعر الأقباط بأن ما جاهد المصلحون لتحقيقه من جعل المسلمين والأقباط نسيجا واحدا يوشك أن يذهب أدراج الرياح.

وانتهت أعمال العنف لكنها للأسف تركت التطرف والتشدد وانظر حولك فستجد آثاره مبثوثة، وعلاماته واضحة، ويكفي أن المسلمين أصبحوا يسألون عن كل كلمة وكل فعل وكل همسة هل هي حلال أم حرام؟ وأمسك الشيوخ بالزمام، وأفتوا بقاعدة سد الذرائع فصار الحرام يحيط بنا من كل جانب.

* ضحايا الجانبين

وأحسب أنه علي الجانب القبطي حصل ما حصل علي الجانب المسلم من تطرف وجفاء مما اضطر القادة الدينيين علي كلا الجانبين إلي العمل علي محاولة التخفيف باللقاءات والدعوات والإفطار في رمضان وظهور الشيوخ بجوار القسيسين في كل محفل، إلا أن ذلك لم يمنع الإحساس لدي المراقبين بأن وراء الأكمة ما وراءها.

ولأن مصر هي الرائدة الدينية للعالم الإسلامي بسبب وجود الأزهر، علي أرضها فقد انداحت الصحوة الإسلامية منها إلي كل الأنحاء بما صاحبها من التطرف.

وكان 11 من سبتمبر المشئوم والعملية الإرهابية الهائلة، التي حولت أمريكا ـ أقوي دول الأرض ـ والعالم المسيحي معها من التوافق والتعايش مع الإسلام إلي حالة من النفور والتحفز، ورغبة جامحة في هزيمته وأهله كوانت أول فصولها غزو «أفغانستان» والفصل الثاني غزو «العراق» والله أعلم ببقية المشاهد والفصول.

 وأطل أقباط المهجر، يبالغون ويولولون ويستنجدون بـ «بوش» وأيضا بـ «شارون» مطالبين بالحق الضائع ورفع القهر والظلم!! وانهالت مواقع «الإنترنت» بالهجوم والتحريض، وتعدت الكنيسة إلي شئون الأقباط المدنية لا الدينية، وتقدم المتطرفون الصفوف.

ثم كانت مشكلة وفاء قسطنطين لنشاهد بيانا عمليا لمدي ما وصلت إليه الحالة من الاحتقان بين الإخوة من مسلمين وأقباط بما أبرزته من التهويل والتمويه وخلق القبة من الحبة!

وأكرر مقاله «فهمي هويدي» بـ «الأهرام»: «نخطيء كثيرا إذا ما طوينا صفحة أحداث الفتنة، التي أطلت برأسها في مصر طيلة الأسبوعين الماضيين وإذا ما تجاوزناها باعتبارها سحابة كدر وانقشعت ذلك أنني أزعم بأن تلك الأحداث بما  شابها من ملابسات وما كشفت عنه من مثالب وعورات تمثل محطة مهمة في سيرة الوطن يتعين الوقوف عندها مليا، والتعامل معها بأعلي درجات الصدق والمسئولية».

وأوافق د. ميلاد حنا في قوله: «إن مصر لن تشرخ علي أساس طبقي ـ وفقا للنظرية الماركسية، فلن تقسمها ثورات العمال أو تظاهرات الجوع، ولكنها ستنقسم من التوجه الديني.. إن هنا تنظيما اسمه «الكنيسة» وللأسف فإن التنظيم المواجه للكنيسة هو: «الإخوان المسلمون» ومن هنا فمصر تواجه أزمة تحقيق» بـ «صوت الأمة».

نعم  نحن نواجه أزمة.. لن تحل بالمسكنات وإنما بعملية كبري.. وأضع سؤالا أحسب أن الجواب عنه بالحكمة ربما يكون هو الحل: هل نعلنها علمانية؟!

محمد شبل

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002