ميزان الضمير

 محمد سعيد

الفولكلور والبحر

ضمن إصدارات المشروع القومى للترجمة الذى يهدف كما يعلن المجلس الأعلى للثقافة إلى تقديم مختلف الاتجاهات والمذاهب الفكرية للقارئ العربى عثرت مؤخرا على قراءة مهمة وجذابة فى الكتاب الذى صدر فى الفترة الأخيرة تحت عنوان «الفولكلور والبحر» من تأليف هوراس بيك وترجمة أحمد محمود ومراجعة وتقديم خبير الدراسات الفولكلورية صفوت كمال.

الكتاب فى 650 صفحة من القطع الكبير وهو الكتاب رقم 617 من هذه السلسلة المهمة ومؤلفه من مواليد نيويورك عام 1920 ورحل عن الحياة بها فى أول يوليو 2003 وله رحلاته العديدة وكتاباته التى  تناولت عبوره للمحيط الأطلنطى فى 28 مرة على متن سفن مختلفة وبأحجام مختلفة أيضا ومن خلال هذه الرحلات ورحلات أخرى قام بها خلال عمله فى السفن البحرية التجارية وقبل عمله فى الجامعة أستاذا للأدب فى جامعة فيرمونت وحيث تمكن خلال رحلاته مع البحر فى جمع أغنيات وأساطير وحكايات البحر والبحارة وصفها فى كتابه وكتب أخرى حول الهنود والأمريكيين وحول الفولكلور وحكاياته ومترجم الكتاب زميل صحفى يعمل فى الترجمة وقد حصل على جائزة ترجمة أفضل كتاب مترجم عن كتاب «طريق الحرير» وله ترجمات عديدة تتجاوز 12 عملا كبيرا منها كتاب «الناس فى صعيد مصر» تأليف وينفريد بلاكمان و«التراث المغرور» لروبرت دينا وجون فاين و«العولمة» لرونالد روبرتسون و«الثقافة السوداء»  لإليس كالشحور و«تحالف المخابرات الأمريكية والمخدرات والصحافة» لألكسندر كركيرن و«الاقتصاد السياسى للعولمة» لنجير وودز و«أساطير بيضاء» لروبرت يانج.

وترجمة هذا الكتاب الضخم «الفولكلور والبحر» إلى جانب ترجمات الكتب الأخرى وعشرات الدراسات فى دوريات «الثقافة العالمية» و«وجهة نظر» تقدم لنا مترجما قوىا من العيار الثقيل الذى عرفته حياتنا الفكرية والثقافية فى سنوات ماضية ومثل عدد غير قليل أيضا من مترجمين على مستوى عال تعرفهم حياتنا الثقافية الآن وتقصر أجهزة الإعلام فى تقديمهم وتقديم أعمالهم للقراء.

وكتاب «الفولكلور والبحر» ـ وكما يقول تقديمه كتاب ـ له خصوصيته العلمية فى دراسات الفولكلور وبما يضم من مواد غزيرة متنوعة من عادات وتقاليد ومعتقدات شعبية وأساطير وحكايات الخوارق والكائنات البحرية العجيبة ومغامرات ربابنة السفن والبحارة والقراصنة والمعارك البحرية بين رجال السلطة وقوات الأمن والمهربين وهى قصص لها واقع وإن كان للخيال فيها دور يجمع ما بين التراث الشفاهى والمأثور الشائع وبين الحدث الواقعى والتصور الحالم، والأنغام والأغانى التى يترنم بها البحارة فرادى وجماعات، إضافة إلى المواقف الإنسانية والمواقف الساخرة، وتزاوج الحكايات بين عالم الجان وعالم الإنسان وهى غير العلاقات الخرافية التى يصنعها الإنسان من خلال  الوهم أحيانا والخوف فى أحيان أخرى أو لكى يبعث الإنسان الطمأنينة فى نفسه وسط المخاوف والضباب والعواصف والأنواء وثورات البحر أو المحيط.

وهذا الكتاب الثرى من مراجعة وتقديم خبير مهم فى دراسات الفولكلور والأساطير والتراث الشعبى يركز فى تقديمه على مقولة المؤلف هوراس بيك من أن البحر عنيف ولذا فإن مأثورات وفولكلور البحر كثيرا ما تتسم بالعنف وحيث تشبه حياة الفولكلور البحرى حياة الموجة العارمة، فحياة البحر تتجمع وتعلو وتعلو ثم تبلغ أعلى ارتفاع لها وتندفع فى اتجاه الشاطئ وتتحطم ثم تعود وتشكل نفسها من جديد وكذلك الفولكلور ينبع من أحداث صغيرة ومأثورات دقيقة وعناصر عديدة تتجمع عليها أحداث وأحداث أخرى.

 ويشير مقدم الكتاب إلى أن مادته الغزيرة والثرية برغم ضخامتها هى جزء من كل لأن عالم البحر ملىء بالغرائب والعجائب وقد التفت إلى ذلك علماء العرب القدامى وهناك أمثلة منها ما ورد فى كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» للقزوينى فى القرن السابع الهجرى وما تضمنته من حكايات وقصص ووصف لأحداث نقل بعضها عن «أبوالحسن المسعودى» فى القرن الرابع الهجرى وحيث نجد وصفا للعديد من أنواع الأسماك والحيوانات العجيبة التى تعيش فى البحار والخلجان والمحيطات.

ولأن أغانى البحر الشعبية هى أكثر أنواع الإبداع الشعبى شيوعا ورغم ذلك فإن تقدم التقنية الحديثة فى عمليات الصيد البحرى جعلت أغانى وأنغام البحر تتوارى نسبيا وأصبح من غير السهل جمع وتسجيل أغانى البحارة القديمة التى يتذكرونها من الأيام الماضية ولقد صادف خبير الفولكلور صفوت كمال هذه الصعوبة عندما كان يعمل خبيرا للفنون الشعبية فى الكويت وهو أيضا ما يصادف حرص مركز دراسات الفنون الشعبية بالقاهرة فى تعاونه مع معمل الصوتيات فى كلية  الآداب بجامعة الإسكندرية فى العمل على جمع وتسجيل نماذج من الأغانى البحرية فى الساحل السكندرى، وكذلك أغانى البحارة والصيادين فى مدينة رشيد شرق الإسكندرية، ورغم الصعوبة فمازالت لهذه المادة حيويتها وأنها المصدر الأساسى من مصادر البحث العلمى والفنى فى خصائص الأغانى البحرية.

يضم كتاب المؤلف هوراس بيك «الفولكلور والبحر» مقدمة وأربعة عشر فصلا تدور حول السفن والأسماء البحرية ولغة البحر ومأثورات الطقس والملاحة، والأغانى، والأنغام والفنون البحرية ونماذج من البشر البحرى ورجال الخوارق وعرائس البحر والوحوش وحيات البحر والجزر المسحورة، والخرافات والعادات والمعتقدات والقراصنة وقادة السفن والتهريب من البحر للبر والأساطير والحكايات البحرية وروايات اللامعقول عن السفن والأشباح.

ومن أطرف ما ذكره المؤلف فى كتابه حول واقع وخيال عالم البحار ما يذكره عن عروس البحر التى يقول إن هناك اعتقادا بأنها شبه بشرية ويعتقد الناس أنها تعيش تحت الماء وتخرج إلى السطح من حين إلى آخر وفى مرات نادرة يقال إنها تخرج على الشاطئ متنكرة فى هيئة البشر، ويقال إن لها أثداء وشعرا طويلا وذيلا تغطية القشور والحراشف ويشبه ذيل السمكة ويقال إن لها عينين زرقاوين وشعرا ذهبيا وأنها جميلة وعادة ما نراها جالسة على الصخور المدببة والجزر الصخرية الصغيرة ويروى البعض أنها تغنى وقد أمكن تجميع ما يردده الناس عن بعض هذه الغنائيات:

البدر منير والنجوم ترسل الضياء

وأمى تبحث عنى

وقد تنظر بعينين دامعتين

قد تنظر إلى قاع البحر

وقد تعود لتنظر إلى قاع البحر

 ويقول المؤلف هوراس بيك فى ختام دراساته عن البحر والفولكلور إنه لكى يكون الفولكلور فى أحسن أحواله فإنه يتطلب راويا وبينه، وحين ينظر المرء إلى الحدوتة فى صفحة مطبوعة فإنها قد تكون كئيبة ولكن حين يستخدم التذكر وحين يتأمل وجه الراوى وكذلك الطقس والروائح والكثير من التفاصيل الصغيرة الأخرى، تتكون لديه دلالة ومكانة تفوق السطور المطبوعة، وحين يكون الراوى والوقت مواتيين يمكن أن تصبح الحدوتة متوسطة القيمة حكاية عظيمة.

إن الكاتب وهو يعترف بأن جمع الفولكلور بالنسبة له ليس مجرد متعة، بل هو أسلوب حياة ساحر، أبحر بنا طويلا وعرفنا بخبرات كثيرة ولفهم عوالم وتفسيرات شتى تعرفك بأناس طيبين وتقابلك بأناس أشرار لكنهم بالمقارنة قليلون ومن خلال الفولكلور سمح لنا بأن نسير مع أناس عظام.

تذكرنى سطور هذا الكتاب أيضا بموسيقيين مصريين عظام رحلوا عنا وعرفوا سحر الفولكلور وكلمة السر فى حكمته فقدموا الجديد المستحدث من خلال العودة إلى روائع كنوز الموروث.. رحم الله سيد درويش وعبدالحليم نويرة ومحمود الشريف وكمال الطويل وبليغ حمدى وغيرهم.

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002