تأملات

السيد ياسين

في اجتماع علمي مهم حضرته الأسبوع الماضي، وجمع نخبة ممتازة من الخبراء الذين يمثلون مراكز أبحاث عربية وأوروبية وأمريكية لمناقشة الإصلاح العربي، ذكر باحث أردني معلومة علمية مهمة ولها دلالات سياسية شتي.

والمعلومة وردت في نتائج بحث «المسح العالمي للقيم» الذي يجريه في مختلف أنحاء العالم، عالم اجتماع سياسي متميز هو «انجلهارت» وهذا العالم الرائد سبق له أن نشر ثلاثية متكاملة من الكتب التي رصدت التحولات الثقافية الكبري التي تحدث في العالم وهذه التحولات أجملها «انجلهارت» في ثلاثة: ظهور أنماط جديدة من القيادات السياسية، والانتقال من القيم المادية إلي ما بعد المادية، والانتقال من الحداثة إلي ما بعد الحداثة. ذكر هذا الباحث ذلك في كتابه الأول الذي لفت إليه أنظار العالم وعنوانه «الثورة الهادئة»، والذي بناه علي استطلاعات للرأي أجراها في أوروبا الغربية. ولما انتقد علي أساس أن نتائجه تخص المجتمعات الغربية دون غيرها، وسع في بحث آخر نطاق عيناته فشملت اليابان والصين، وأصدر كتابه الثاني وعنوانه «التحول الثقافي في المجتمعات الصناعية المتقدمة». ثم ما لبث أن صمم قياس اتجاهات طبقه في 43 دولة من مختلف قارات العالم تمثل ـ كما يقول- 70% من مجموع الإنسانية (ويقصد العينات التي طبق عليها)، ونشر نتائجه في كتابه الثالث والأخير في السلسلة وعنوانه «التحديث وما بعد التحديث».

ما يهمنا أن «انجلهارت» طبق استطلاعه علي عدد من البلاد العربية وسأل سؤالا مهما لكل من قبل الإجابة: هل توافق علي أن يكون الإصلاح راديكاليا (أي يغير من بنية المجتمع تغييرا جذريا) أم يكون تدريجيا، أم يظل الحال علي ما هو عليه؟. يقرر الباحث الأردني ـ لأنني لم أطلع مباشرة علي نتائج البحث ـ أن الغالبية العظمي من المجيبين اختارت الإصلاح التدريجي ورفضت الإصلاح الراديكالي.

غير أن المشكلة أن الإصلاح التدريجي الذي تصبو له الجماهير ليس في عرف الأنظمة العربية سوي تغييرات تجميلية لن يكون من شأنها أبدا التغيير الحقيقي في طبيعة الأنظمة السياسية السلطوية. وهي ـ إذا استخدمنا عبارة إحسان عبدالقدوس الشهيرة ـ لا تكذب ولكنها تتجمل!

والدليل علي ذلك أن أي إصلاح تدريجي في نظام كالنظام السياسي الليبي لن يكون له أي جدوي!.. ولن يكون هناك -وفي غيرها من النظم السياسية السلطوية المشابهة ـ أي تغيير حقيقي إلا إذا تغيرت طبيعة النظام الليبي نفسه جذريا. وهذا لن يكون إلا بتحول النظام من نظام سلطوي إلي نظام ديمقراطي، فيه أحزاب سياسية، ودستور، وسيادة للقانون، وانتخابات نزيهة، وتداول للسلطة. فغير ذلك لا داعي لأن نخدع أنفسنا ونتحدث عن الإصلاح السياسي العربي.

إن الإصلاح السياسي العربي ـ ولنتحدث بصراحة ـ يجابه بمقاومة شديدة من المسيطرين علي الأنظمة العربية وجماعات المصالح المستفيدة منها. وما لم تثمر جهود المثقفين العرب ومؤسسات المجتمع المدني في دفع عجلة الإصلاح، فإن الجمود السياسي سيكون هو سيد الموقف. وسيفتح ذلك الباب واسعا أمام الهبات الشعبية أو التدخل الأجنبي.

حقوق الطبع والنشر© محفوظة  لجريدة القاهرة 2002