يقضيها معكم هذا الأسبوع بيومي قنديل

البحث العلمي في أمريكا يخضع للنفوذ السياسي ويطبق قاعدة: شيلني.. واشيلك!

* عالم أمريكي حائز علي جائزة نوبل عام 1975 يلفق معلومات أساسية في علم المناعيات وينشرها في مجلة علمية محترمة * رؤساء تحرير الدوريات العلمية الأمريكية يمتنعون عن نشر الدراسات التي ينقد فيها أصحابها أعمال زملائهم من العلماء أو تشير إلي وجود تدليس في هذه الأعمال * طبيب يعترف بتلفيق نتائج بحث علمي أدي إلي استخدام المنشطات في علاج مرضي التخلف العقلي بدلاً من المسكنات * دعوة جان بول سارتر لتخلي الفنان الأسود عن رغبته في التميز الثقافي لإفساح الطريق أمام النزعة العالمية المستقبلية تقود إلي اندماج ثقافة السود في الثقافة البيضاء السائدة * تركيز السينما الأمريكية علي الملامح الزنجية كالشعر والشفاه الغليظة ينطوي علي عنصرية مضادة تقول بتفوق السود علي البيض * الحواجز العنصرية لاتزال قائمة في أمريكا وقليلات من النساء البيض هن اللواتي وصلن لمناصب إدارية عليا.. والزنوج لا يتقدمون بعد المستويات الدنيا في الإدارة

 

يجمع بين هذه الكتب الثلاثة التي نعْرضها هذا الأسبوع أنها توجه نقدا حادا للمجتمع الأمريكي، مما لا تكاد تتحمله سوي المجتمعات الديمقراطية وحدها. فالفقد الحاد الذي يكشف العيوب والسوءات مقدمة ضرورية للإصلاح مادامت قد حكمت هذا المجتمع روح قومية عميقة مثل تلك التي تؤسس لها الديمقراطية، وبالتالي الانتقال من حال إلي حال أي الارتقاء. ففي الديمقراطية تشير الأصابع النزيهة إلي الأخطاء كي تبدأ فورا عملية التصحيح، وذلك علي النقيض من المجتمعات التي لا يجرؤ أحد فيها علي الإشارة إلي أي خطأ، وإذا حدث وقفز الخطأ من دائرة الظلام إلي النور انبري سدنة النظام القائم إلي التبرير أي الاستمرار «محلك سر».

 

* الكتاب: فن السود والثقافة في القرن العشرينBlack art and Culture in twentieth Century

* المؤلف: ريتشارد باول  Richard  Paul

يقدم «ريتشارد باول» لكتابه هذا بمقدمة تذكرنا بكتاب الفيلسوف المعروف "فرانز فانون"، الذي صدر في سنة 1952 باسم: "بشرة سوداء وأقنعة بيضاء"، وهو الكتاب الذي يحلل فيه "فانون" الآثار النفسية المدمرة التي تُؤدي إليها النزعة العنصرية البيضاء وسط الشعوب التي ترجع إلي أصول أفريقية. ويؤكد «باول» أنّ ذلك الكتاب قوَّض، في ضربة واحدة، الأسس التي قامت عليها نظريات التصالح بين الأعراق وقت ذاك، وخصوصاً نظرية الفيلسوف الفرنسي الشهير "جان بول سارتر" التي تدعو إلي تخلي الفنان الأسود عن رغبته في التميز الثقافي في سبيل إفساح المجال أمام صعود النزعة العالمية المستقبلية من جانب والموقف الوجودي من الحياة من جانب آخر. وهذه نظرية تقود في نهاية المطاف، حسبما يقول «باول»، الي اندماج السود، ليس في ثقافة عالمية النزوع، بل في الثقافة السائدة، أي في ثقافة البيض.

جامعة أفريقية

ويعود بنا المؤلف إلي الدعوة إلي عقد مؤتمر موسّع في العاصمة البريطانية "لندن" في أواخر القرن التاسع عشر لبحث أوضاع الشعوب الأفريقية التي يعيش أبناؤها في أوروبا والأمريكتين وجزر البحر الكاريبي بل وأفريقيا ذاتها. وكانت هذه الدعوة قد خلبت ألباب المثقفين والنشطاء السياسيين في سائر أرجاء العالم وقت ذاك. وفي فرنسا أعرب الدبلوماسي الهاييتي ("هاييتي" إحدي دول البحر الكاريبي) عن أمله في أن يدين المؤتمر المجتمع العلمي الذي يصدِّق علي "الأكذوبة" التي تقول بـ "دونية السود"، وهي الخرافة التي راجت في أبحاث العديد من العلماء البيض الذين يعملون في مجال العرقيات أو الإثنوجرافيا.

ويستطرد المؤلف، وهو من السود، كي يقول إن تلك الدعوة التي وُجهت إلي أبناء الشعوب السوداء في سائر أرجاء العالم للاجتماع لمناقشة الأوضاع المشتركة التي يعيشونها عند فجر القرن العشرين كانت دعوة استثنائية في التاريخ. فانعقاد مؤتمر للجامعة الأفريقية في ظل السياق الذي أوجده الإستعمار الثقافي والنفسي للشعوب الأفريقية والإستغلال الإقتصادي بل وعمليات الإبادة التي كانت تجري علي قدم وساق، من الكونجو البلجيكي(وقت ذاك) إلي الولايات الجنوبية بالولايات المتحدة. كل هذا جعل انبثاق وتبلور هوية سوداء أمراً ممكناً. وقد أدي ذلك إلي انبعاث وعي قومي منعكس، جاء في جانب منه كرد فعل مشروع علي صعود الروح القومية بين الشعوب الأوروبية، تلك الروح التي لم تكن مبرأة منذ نشأتها الأولي من الاستعلاء، وهو الأمر الذي أدي إلي ظهور مصطلحات من نوع "الأفروـ أمريكي" و"الأفروـ كاريبي" و"الأفروـ برازيلي" الخ.

ثقافة شعبية سوداء

وينقل إلينا المؤلف أن سنة 1992 شهدت طرح عالم الاجتماع الأمريكي "ستيوات هول" لهذا السؤال: ما هو ذلك العنصر "الأسود" في الثقافة الشعبية السوداء"؟ وكان ذلك بمناسبة انعقاد مؤتمر الثقافة الشعبية السوداء في مركز "ديا" بمتحف الفنون في حي "هارلم" بمدينة "نيويورك". وقد أجاب "هول" علي سؤاله علي النحو التالي:

"يتمثل ذلك العنصر "الأسود" في سمة الاختلاف داخل نطاق الأشكال الشعبية "الأمريكية ـ الأفريقية". وهذه أشكال متغايرة، الواحدة عن الأخري بحكم تعريفها ذاته. وبالتالي تبدو وكأنها تفتقر إلي النقاء، ويهددها خطران: الاندماج فيما حولها من ثقافة سائدة أو الانعزال".

ويوضح "هول"، وفقاً لما يخبرنا به المؤلف، أن هناك خمسة مكونات رئيسية تحدد وتفسِّر التجليات المرئية(في الرسم والنحت علي وجه الخصوص) للثقافات السوداء في مرحلة الشتات في القرن العشرين وهي:

ـ الصراع الدائم الذي تخوضه هذه الثقافات ضد الادعاءات التي تأتي من خارجها وأحياناً من داخلها، بوجود جوهر لكل عرق علي حدة.

ـ توفُّر كتلة سكانية تكفي للقول بوجود معتقدات مشتركة وأنساق قيمية وأهداف تسعي لبناء مؤسسات وأعراف سوداء.

ـ مجموعة معروفة من التجارب الحياتية والصدامات الاجتماعية والمحن الشخصية، وهو الأمر الذي يرسي أساساً قوياً لتجذُّر روح التضامن والإخاء، هذه الروح التي تساهم بدورها في خلق ما يمكن أن نسميه "الجماعة السوداء".

ـ وجود ما نستطيع أن نطلق عليه اسم "جماليات سوداء". ويعني "هول" بهذا المصطلح: "مجموع النظريات الفلسفية حول الفنون الأفريقية في مرحلة الشتات أي خارج نطاق أفريقيا التي طالما أطلق عليها الباحثون اسم "القارة العذراء". ويمضي "هول" إلي القول بأن هذه الجماليات تضرب بجذورها في أعماق مرحلة التحرر والانعتاق من أسر العبودية بالمعني الواقعي للكلمة لا المجازي، وهو الأمر الذي تبدي في انبثاق ملامح سوداء خاصة بدءاً من موسيقي "الجاز" في حي "هارلم" في "نيويورك" إلي "مون ـ بارناس" في باريس.

ـ وجود أشكال خاصة تميز الثقافات السوداء في مرحلة الشتات، لكنها لا تعد بدائل سوداء لنظيراتها في الثقافة البيضاء السائدة، بل محفِّزة وفي بعض الأحيان استفزازية، في التأكيد بقوة علي وجود تمايز ثقافي للسود عما يحيط بهم من كل جانب.

جماليات معاصرة

وينقل المؤلف عن مؤرخ الفن "تيري سميث" الذي ركَّز في كتابه "ظهور العصر الحديث في الصناعة والفن والتصميم في أمريكا"(1993) علي تتبع الهاجس الذي ألح خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين علي أذهان الأمريكيين بصفة عامة في سبيل خلق جماليات معاصرة، أي حساسية جديدة مصقولة وفاعلة وتقدمية وديموقراطية، وهو الأمر الذي لفت الأنظار إلي الثقافات السوداء بسبب تفرُّدها وخصوصيتها، بل ولفت نظر هذه الثقافات إلي ذواتها. وقد نشأت في ذلك الوقت ما يعرف باسم "حركة الفنون الزنجية الجديدة"، وذلك فيما أطلق عليه اسم "النهضة الزنجية". ولقد لجأ الأمريكيون ـ الأفريقيون إلي استخدام الفنون السوداء بوجه خاص والثقافة السوداء بشكل عام في رفع الإصر عن عرقهم الأسود بل والارتقاء بأبنائه. وغدا مفهوم "الزنجي الجديد" بمثابة الأساس لبناء هوية أمريكيةـ أفريقية خاصة في مجال الفن. وبرز في ذلك الوقت رسامان هما:وليم جونسون" و"لورا وايلر وارنج" اللذين لم يترددا في رسم صور ذاتية لنفسيهما بملامحهما الزنجية. ويبدو أن مقولة "للزنجي جماله":Negro es Bello  كانت تحلِّق وقت ذاك في الأفق.

جانب مظلم

ويري المؤلف أن تركيز الفنان الأسود خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين علي السمات والخصائص والملامح الزنجية كالشعر المجعَّد واللون الغامق والشفاة الغليظة الخ كان سائغاً ومسوَّغاً خلال ذلك العقدين، إلا أنه انطوي علي جانبه المظلم الخاص أو جرثومته الخاصة: الاندفاع نحو السطحية والوثنية العرقية والعنصرية المضادة أي القول بتفوُّق السود علي البيض.

وفي خاتمة الكتاب يذهب المؤلف إلي أن السينما ساهمت في تصوير الثقافة السوداء بصورة لا تخلو من تشويه وتنميط وتوجيه سيئ. لكن السود لم يستمروا "موضوعاً" للسينمائيين البيض بل اقتحموا مجال صناعة الأفلام. ويشير المؤلف، علي وجه الخصوص، إلي فيلم "أورفيوس الأسود" لمخرجه البرازيلي الأسود "مارسيل كامو". فلقد خلب الفيلم الألباب وفاز بجائزة "السعفة الذهبية" في مهرجان "كان" سنة 1959. ويستطرد المؤلف يقول: إن اللقطة الأولي للفيلم تصوِّر تمثال "أورفيوس"، ذلك البطل الإغريقي الأسطوري الذي يتمتع بمواهب خرافية في الموسيقي والغناء، دون لون، وبعبارة أخري مجرَّداً من لونه الأبيض، ثم يتشقق التمثال، خلال الخدع السينيمائية المعروفة، كي يخرج منه أربع شخصيات سوداء تتزيا بأزيائها الزاهية وتنخرط في الرقص علي أنغام الطبول الأفريقية.

ولا أجد ما أختم به هذا العرض لهذا الكتاب المتميز أفضل من بضعة سطور من قصيدة "نرسيس الأسود" للشاعر الأمريكي الأسود: "جيرالد باناكس" يقول فيها مخاطباً "مواطنه الأبيض":

   تود أن تدمجني في هويتك المجهولة الاسم، لأن من حقي ـ كما يتراءي لك ـ أن أكون شبيهك.

لكنني أريد أن أحوز الحق الذي تحوزه أنت، كي أكون شبيه نفسي، ولأندمج لهذا السبب وحده، لأنني سوف ألقي حتفي معــــك.

 

* الكتاب: علم ولكنه ليس بحتاً Impure Science

* تأليـف: روبرت بيل Robert Bell

مؤلف هذا الكتاب يعمل أستاذا للإاقتصاد بكلية بروكلين بجامعة مدينة "نيويورك"  وهو يبدأه بالإشارة إلي أن بعض أعضاء المجتمع العلمي في الولايات المتحدة قد غذوا تياراً متنامياً باستمرار في مسعاه نحو إخضاع البحث العلمي للنفوذ السياسي والحلول الوسط(=شيلني وشيلك) والتدليس. لكنه في نفس الوقت يؤكد أن الأغلبية الساحقة من العلماء لم يكونوا مشاركين في الأمر بشكل مباشر، إلاَّ أنه يأخذ عليهم الوقوف موقف المتفرج الصامت أو تحويل أنظارهم إلي نواح أخري.

ويفصح المؤلف عن القلق تجاه هذا التيار نظراً لما يشكله من تأثير ضار علي الدواء الذي نتناوله والكباري التي نعبر عليها يومياً والمباني التي نسكنها وشتي مظاهر حياتنا. ويقول: إن هذا التيار يعمل علي تقويض القاعدة العلمية والتكنولوجية للولايات المتحدة وبالتالي يضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي الذي نكسب خلاله قوتنا.

ويمضي إلي القول بأن كتابه يعتمد علي مصادر أصلية تشمل الأدلة الموثقة المستمدة من القضايا التي رفعت أمام المحاكم والتحقيقات التي أجرتها جهات حكومية والشهادات التي أدلي بها أصحابها بعد حلفانهم اليمين والمعطيات التي توفرت بناء علي قانون حرية الوصول إلي المعلومات والحوارات الشخصية.

ويشير إلي انكبابه علي تحليل عدد من الحالات في ميادين مختلفة من ميادين البحث العلمي لإثبات أن الأمثلة المتوفرة تشكل جزءاً من نمط وليست مجرد حوادث فردية. ويخلص إلي القول بأنه يهدف في نهاية المطاف إلي الكشف عن أن المجتمع العلمي في الولايات المتحدة لا يزيد ولا يقل في "نقائه ونزاهته" عن الآلية السياسية التي توفر له الرعاية والتمويل!

يعيد المؤلف إلي الأذهان الإفتتاحية التي نشرها "دانييل كوشلاند" رئيس تحرير مجلة ساينس"(العلم) وذكر فيها أن التدليس في المجال العلمي نادر. وقرر "كوشلاند" في افتتاحيته أن 9999و99 بالمائة من الأوراق العلمية "دقيقة وصادقة". غير أن كلاً من "وليم بروود" و"نيكولاس وايد" اللذين ألفا كتاباً أثار جدلاً واسعاً فور صدوره حول التدليس في المجال العلمي وقفا موقفاً معارضاً. وأكدا "أننا نستطيع أن نتوقع أن هناك نظير كل قضية تدليس كبري تخرج للنور في هذا المجال، توجد مائة أو نحو ذلك تجري "كلفتتها" دون أن يشعر بها أحد." وينقل المؤلف عن دراسة أجرتها إحدي الجامعات الكبري أن من بين 32% من الباحثين الذين يشتبهون في إقدام إحدي الكليات علي تزوير المعلومات العلمية، لم يرفع 54% منهم تقريراً ما بذلك إلي أي جهة أعلي فضلاً عن أنهم لم يحاولوا التثبت من شبهاتهم.

سعياً وراء المال:

يقول المؤلف إن العلماء لا يستطيعون إجراء أي بحث علمي دون توفُّر المال. ولذلك فإن الحصول علي منحة مالية فيدرالية والخضوع، بالتالي للقواعد الفيدرالية المنظمة أصبحا من بين الخصائص التي تميز المجتمع العلمي في الولايات المتحدة. ويذكر تقرير صدر في الآونة الأخيرة عن "مكتب تقييم التكنولوجيا" أن هناك أبحاثاً أكثر باستمرار مما تستطيع الحكومة الفيدرالية توفير اعتماد لإجرائه"، وهو الأمر الذي خلق نوعاً من التكالب بين الباحثين في سبيل الحصول علي تمويل فيدرالي لبحوثهم. ويشير إلي أن "المؤسسة القومية للعلوم" استجابت لـ 31% فقط من الاقتراحات المقدمة إليها في سنة 1989  مقابل 38% قبل ذلك بعشر سنوات. ويضيف المؤلف أن هناك ثلاث آليات للحيلولة دون وقوع التدليس العلمي. الآلية الأولي "المراجعة المناظرة" وخلالها تقوم  لجنة من المختصين في كل ميدان علي حدة بتحديد مدي استحقاق مشروع  البحث المقترح للتمويل والآلية الثانية "التحكيم" وبموجبها ترسل الأوراق إلي مراجعين لأخذ آرائهم في جدارة هذه الورقة أو تلك في النشر العلمي أو التعديل أو الرفض. وتتمثل الآلية الثالثة في إعادة إجراء نفس التجارب لمعرفة ما إذا كانت ستعطي نفس النتائج التي أعطتها النتائج السابقة. ويقرر أن هذه آليات رائعة علي المستوي النظري وحسب. فالسرية التي تغلف الآلية الأولي تجعلها عرضة للإنحدار إلي الفساد عن طريق خلق صراع مصالح من جانب المراجعين الذين يحاولون الحصول علي التمويل لأبحاث في نفس المجال من جانب وصمت الباحثين الذين رفضت مشروعات أبحاثهم عن عيوب النظام من جانب آخر. وامتناع رؤساء تحرير الدوريات العلمية عن طلب الدراسات التي ينقد فيها أصحابها أعمال زملائهم من العلماء أو تشير من قريب أو بعيد إلي وجود تدليس في هذه الأعمال يقوض فاعلية الآلية الثانية. أما الآلية الثالثة فخاضعة تماماً لنقص التمويل المتوفر لإجراء الأبحاث المطلوبة فما بالك بإجراء تجارب للتثبت من صحة نتائج أبحاث سابقة.

وفي الفصل الثالث يقول المؤلف إن مطالب الكونجرس بتوفير الرعاية لهذا المشروع أو ذاك من مشروعات البحث العلمي ليست القوة الوحيدة في تكييف التمويل الحكومي في هذا المجال. ويشير إلي أن الجالس في البيت الأبيض يقوم هو أيضاً في بعض الأحيان بدفع العلم بعيداً عن الضوابط الرشيدة التي تعتمدها الآلية الأولي أقصد "المراجعة المناظرة". ويذكر في هذا الصدد برنامج "حرب النجوم" كمثال كلاسيكي. فلقد أعلن الرئيس السابق "رونالد ريجان" في خطاب ألقاه يوم 23مارس 1983" إننا سوف نتمكن من تدمير الصواريخ العابرة للقارات قبل أن تصل الي الأراضي الأمريكية أو أراضي حلفائنا". وحث "ريجان" أعضاء المجتمع العلمي الذين "أعطونا السلاح النووي أن يوجهوا مواهبهم الآن إلي هذه القضية التي تهم البشرية والسلام العالمي" أي أن يوفروا لنا الوسيلة التي تحمينا من أخطار هذه الأسلحة وتجعل منها عديمة الفعالية". ويعلق المؤلف علي ذلك بقوله: "ما من شيء كان ليقوض إيمان الجمهور بالعلم ويهز ثقته فيه أكثر من مثل هذه المبالغة الهائلة في قدرة أي مشروع علمي علي ما يستطيع تحقيقه. ومن شأن الترويج الهائل، وهو سمة غالبة علي كل مشروع علمي ضخم أن يدمر العلم لسببين، الأول: ينطوي ذلك العمل علي إساءة استعمال الثقة بصورة بالغة. فأحد العلماء المشهورين أو عدد محدود منهم، تؤازره الأضواء يقود المشروع دون أن ينطوي الأمر علي مسوغات علمية كبيرة. ويجد العلماء الذين يدعون إلي التريث أو التعقل أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، إذ أنهم يعارضون علماء مشهود لهم في ذلك التخصص. وفي النهاية وعندما يفشل المشروع في الإرتفاع إلي مستوي التوقعات الي عُلقت في البداية عليه ، يكون الجمهور قد فقد كثيراً من ثقته في العلم والعلماء، ويكون العلماء الأصلاء قد أهدروا وقتاً ثميناً في تصديهم للهراء. الثاني: أن المبالغة في الترويج لمشروع ما يؤدي ـ بالضرورة ـ إلي ضخ اعتمادات ضخمة كان من الممكن أن تتجه إلي مشروعات أخري أجدي أو عدم إنفاقها علي الإطلاق.

ويفرد المؤلف الفصل الرابع لثلاث قضايا من قضايا التدليس العلمي. الأولي قضية د."برويننج"، والثانية قضية "دارسي" والثالثة والأخطر قضية "بالتيمور". 

قضية د. برويننج

مثل د. " ستيفين برويننج" 1988 الحاصل علي شهادة الدكتوراة من معهد الطب النفسي بجامعة بوتسبورج أمام القاضي الفيدرالي كي يعترف بأنه مذنب بتهمتين تتعلقان بدس تقارير ملفقة في أبحاث أنفقت عليها الخزانة الفيدرالية. ويبدو أن كل تقاريره كانت من نفس النوع، وكل التجارب التي ادعي إجراءها لم تجر، ومما يدعم هذه النتيجة حجم الكارثة التي أدي إليها تطبيق النتائج التي قال إنها أسفرت عنها. فلقد اعتمد المعالجون علي نطاق الأمة الأمريكية بأسرها علي هذه النتائج "المزورة" في تحديد نوع وحجم الجرعة التي أعطوها للأطفال الذين يعانون من مرض التخلف العقلي الحاد، وبينما كان يتعين عليهم أن يعطوهم "مسكنات"، نظراً لميل هؤلاء الأطفال إلي إيذاء أنفسهم قاموا بإعطائهم "منشطات"!

الأطرف أن الرجل الذي عمل علي مثوله أمام القضاء كان أستاذه السابق د. "روبرت سبراجي"!

قضية دراسي

كان د. "يوجين براونفالد" من جامعة "هارفارد" أستاذاً لـ د."جون دارسي" في معهد الطب التابع للجامعة عندما شاهد ثلاثة من الزملاء د. "دارسي" وهو "يفبرك" المعلومات في بعض التجارب التي نشر عنها ما يقرب من مائة ورقة بحثية خلال سنتين اثنتين. وكان أن أبلغوا د."برانفالد" الذي رفض تصديقهم، لكنه راقب بنفسه أعمال د. "دارسي" طيلة الشهور الخمسة اللاحقة. ولم يجد هناك ما يشين تلميذه. إلا أن د."دارسي". اعترف بأنه "ارتكب" "تدليسة" واحدة في مسيرته العلمية، وهو الأمر الذي أفقده وظيفته في "هارفارد" وحال في نفس الوقت دون تقديمه للمحاكمة.

قضية «بالتيمور»

تعد هذه القضية، في رأي المؤلف، أشد القضايا  سوءاً في مجال البحث العلمي. ويبدو أن السبب في ذلك راجع إلي أن بطلها وهو د."دافيد بالتيمور" رئيس جامعة هي جامعة "روكفلر" وحائز علي جائز "نوبل" في سنة 1975 ، فضلاً عن محاولته الحاذقة التي وصلت مشارف النجاح في تقديم "كبش فداء"، ولو حدث ذلك لعرفت القضية الآن باسم " د."مارجوت أوتوول" التي كانت لتحمل علي عاتقها ـ زوراً ـ ما أقدم عليه آخرون. وتدور القضية حول تلفيق معلومات أساسية في ورقة بحثية نشرتها مجلة "سيل"(خلية) في مجال علم "المناعيات" أي أنواع المناعة الجسمية ضد الأمراض، وهي ورقة ترأس د."بالتيمور" فريق العمل الذي أجري البحث المنشور. وقد انتهت القضية إلي تقديم د."بالتيمور" لاستقالته من منصبه كرئيس لجامعة "روكفلر" في 2 ديسمبر/كياك 1991 وسحب النتائج التي وردت بالورقة المنشورة.

ولا يجب علينا أن نمضي هنا دون التأكيد علي نقط مضيئة في مثل هذا المناخ:

ـ وجود مجتمع علمي قوي يوفر الحماية للمنهج العلمي، وبالتالي لأعضائه المستقيمين.

ـ وجود ضمير مهني يجعل الجميع حريصين علي صون ما يحفظ علي أعضائه احترام بني وطنهم لهم.

ـ وجود توازن دقيق بين الجريمة والعقوبة بعيداً عما يسمي عندنا بالردع الذي يؤدي في غالب الأحيان إلي تحويل الجريمة من بسيطة إلي مركبة وفي نهاية المطاف إلي طمس كل ضمير.

ولعل ذلك المناخ هو الذي يوفر إمكانية إصلاح كل انحراف فور اكتشافه وليس تبريره كلما حدث ونجح أحد في اكتشافه وتجرَّأ وأعلن عما اكتشف.

«3»

* الكتاب: الوضع الحقيقي للعلاقات العرقية والجنوسية في أمريكا الموحَّدة:

The True State of Race and Gender in Corporate America.

* المؤلف: جون فرنانديز John Fernandes

يقع هذا الكتاب في أربعة أجزاء. يضم الجزء الأول أربعة فصول هي: "مقدمة: تقدم، وعود، ومقترحات" و"بحثاً عن حلول" و"الولايات المتحدة ليست مجتمع الاستحقاق:Meritocracy و"التنميط عمل بشري ولكنه خطير" و"التنميط والتمييز في أمريكا الموحَّدة" و"بعيداً عن بلاغة العرق والجنوسة (=ذكر أو أنثي)". ويضم الجزء الثاني خمسة فصول هي: "تمزيق البيروقراطية" و"الثقة والاحترام والمساواة: كيف تستطيع مؤسسة مبنية عمل الفريق أن تحل المشاكل العرقية والجنوسية" و"الاتصال وحل الصراع..." و"التجنيد والحفاظ علي قوة العمل المتنوعة للأفراد" و"القيادة في عصر المنظمات المشحونة بالجنوسة والعروقة".

وأما الجزء الثالث فيضم أربعة فصول. الأول: "تقليل التحيز العرقي والجنوسي" و"كيفية مكافأة الأداء المتناهي الإتقان" و"التنوع والعمل الإيجابي" و"استهداف قطاعات السوق المتنوعة" ويأتي الجزء الرابع كي يضم فصلاً واحداً هو «إدارة العلاقات في سبيل تعزيز فرص الترقي".

يبدأ المؤلف بالإشارة إلي أن معظم الموظفين وخصوصاً القياديين منهم، يعتقدون أنهم يملكون فهماً معقولاً لمفهوم التنوع والحاجة إلي تجنيب كافة مؤسساتهم تلك المشاكل الناجمة عن الجنوسة والعروقة وما أشبه من اختلافات بين الأفراد.

ويتساءل المؤلف بعد مرور ما يقرب من أربعين عاماً من صدور قانون الحقوق المدنية: ما هو حجم التقدم الذي تحقق في أرض الواقع؟ لقد أنجز الملونون والنساء ـ إلي هذا الحد أو ذاك ـ ما طُلب منهم أن يعملوه؟  حصلوا علي قدر من التعليم وحازوا مسوغات عمل رسمية مع قدر من الخبرة وتفانوا في العمل دون أنين أو شكوي، ومع ذلك ـ حسبما يري المؤلف ـ لاتزال نفس الحواجز القديمة التي تحول دون مشاركتهم بشكل كامل أي اندماجهم في أمريكا الموحَّدة قائمة! وبينما تمكنت بعض السيدات من البيض أن يشقوا طريقهم الي الصفوف الوسطي للإدارة في بعض الصناعات، إلاَّ أن السود لم يحققوا إلا تقدماً لا يكاد يذكر في كافة الصناعات علي وجه التقريب بعيداً عن المستويات الدنيا للإدارة. أما فيما يتعلق بالمستويات العليا للإدارة فيستطيع المرء أن يلمح عدداً محدوداً من النساء من البيض، ولكنه مهما يتطلع حواليه فإن عينيه لا تقعان علي وجه واحد، مهما أطال النظر، من السود أو الهيسبانيك (=الأمريكيين من أصل لاتيني) أو الأمريكيين الأصليين (=الهنود الحمر) أو الأمريكيين من أصل أسيوي. ويعود المؤلف كي يتساءل حول ما إذا كان من المشروع أن نعتبر التمييز علي أساس اللون أو الجنوسة تركة من تركات الماضي؟