|
ممدوح عدوان الشاعر السوري الكبير
المتوفي منذ أيام قلائل «ولد عام 1940» هو ـ في رأيي ـ
من أهم الشعراء العرب المحدثين الذين تبلورت في
أعمالهم الشعرية خصائص الشعر الرمزي، مثل انفتاح الروح
نحو كل ما هو مبهم وسحري وغير محدد، حيث تصير القصيدة
نوعا من الاكتشاف، في محاولة للابتعاد عن كل ما هو
أرضي بهدف الوصول إلي عالم من الأحلام يستطيع الشاعر
أن يتأمل من خلاله الجمال الخالد. ولرائد الرمزية شارك
بودلير قصيدة مهمة في هذا الشأن هي قصيدة «ارتقاء
ELEVATION»
من ديوان «أزهار الشر» يقول فيها:
طوبي لمن كانت أفكاره وخواطره كالقنابر
مصعدة كل صباح إلي معارج السموات، حرة
طليقة
فيحلق ويشرف علي الحياة، ويدرك دون
عناء
لغة الزهور وسر الكائنات الصامتة
من خصائص الرمزية أيضا الإيحاء
بالأشياء بدلا من تعيينها والنظر إلي الفن بوصفه طريقا
للخلاص، وتراسل الحواس، والخاصية الذهنية، والاهتمام
بالموسيقي.. إلخ. وكل هذه الخصائص واضحة وبارزة في شعر
ممدوح عدوان. يقول في مطلع قصيدة «الحصي»: «الحصي/
سبحة خيطها الذاكرة/ دفتر للحساب وأرقامه/ مفردات
الحياة/ والحصي طمي من يتبول ملحا/ ويستمطر الهاجرة/
دفتر الرسم/ ألوانه النافرة/ شرشفه فوق دمع أبي/
وفاكهة الغارم المتوله في كاره لا يراه/ ربما كان دمعا
وتاه/ ربما كان آخر تعويذة تركت/ لتحد انحناء الجباه/
الحصي.. فطرنا والفطور/ ولعبتنا الباردة». وتمضي
القصيدة علي هذا النحو لنجد أننا لسنا أمام هذا الحصي
الذي يقابلنا كل يوم في شئوننا اليومية، وإنما أمام
حصي آخر حوله الشاعر بمخيلته القوية إلي رمز للوجود
برمته، ولتصاريف الحياة علي هذه الأرض التي نعيش
عليها، ولما يمور في نفسه من مشاعر وأحاسيس، ويضطرب في
أعماقه من انفعالات ودوافع.
ومثلما كان يفعل نقاد الرمزية فإننا
إذا بحثنا في الأبيات السابقة عن عناصر رومانتيكية فلن
نجدها. فالأبيات والقصيدة كلها تخلو من العرض المباشر
لعواطف الشاعر. وكل ما نستقبله من مشاعره يأتي إلينا
عبر طريق غير مباشر من الصور. كذلك لا يوجد في القصيدة
شيء متعال، وذلك لأن الذكري المثارة من خلال الحصي تقع
داخل الحدود الفيزيقية للحصي نفسه، وإن كانت تأتي
بطريق غير مباشر يوحي بأكثر مما يعين. أي أنه ليس هناك
تعبيرا مباشرا عن العاطفة بواسطة صفات كمية ووصفية،
وليس هناك تمثيل للعاطفة من خلال تشخيصات مجازية خاصة،
وإنما تيم الاتصال بين الشاعر والقارئ من خلال صورة أو
مجموعة من الصور تحمل قيمة ذاتية وموضوعية في آن. وكما
تقول الناقدة آنا بالاكيان في كتابها «الحركة الرمزية»
«وهذا الكتاب ترجم منذ سنوات قليلة إلي اللغة
العربية»، فإن الشعر الذي يأتي علي هذا النسق يصل عن
طريق الصورة، وهي صورة إيحائية في الأساس، تشبه جريان
النهر: «فكما أن النهر يترك فضلاته في البحيرة ويخرج
منها بمظهر جديد، فكذلك المفهوم الدافع يمر بمستنقع
الاستعارة ثم يخرج منها بشكل جديد».
والأبيات السابقة من قصيدة «الحصي»
تعتمد علي الذهن اعتمادا أساسيا وهذه ـ كما أسلفت ـ
خاصية مهمة في الرمزية لا تقل بأي حال عن خاصية تراسل
الحواس. فالذهن يمثل مفتاح القصيدة، وإلا ما استطاع
الشاعر أن يقول لنا إن الحصي سبحة خيطها الذاكرة.. إلخ
فيجمع بين أشياء وعناصر أرضية لا يمكن أن تجتمع. وإذا
كان الذهن هو مفتاح القصيدة فإن الحواس هي التي تملأها
بإبداعاتها المنسجمة. ولشارل بودلير كلمة معروفة في
هذا الصدد يقول فيها: «منذ وقت وأنا أقول إن الشاعر
ذهني بالدرجة الأولي، بل هو العقل نفسه، والخيال هو
أكثر القدرات التصاقا بالناحية العلمية، لأنه وحده
يدرك المشابهات الكونية، أو ما يطلق عليه في الأدب
الصوفي تراسل الحواس».
كذلك فإن قصيدة «الحصي» نموذج مثالي
لما يسمي بنظرية «الصورة التقليدية والصورة الإيحائية»
والتي عرض لها الناقد الأسباني كارلوس بوسونيو في كثير
من كتبه، ومن بينها كتابه «اللاعقلانية الشعرية».
والصورة التقليدية تقوم علي المشابهة الموضوعية التي
يدركها الذهن بشكل مباشر، كأن تقول مثلا: شعر كالذهب
ففي هذا المثال يدرك الذهن علي الفور وجه الشبه وهو
«الصفرة في كل» أما الصورة الإيحائية، وهي خاصة بالشعر
الحديث، فتجعلنا نفتعل دون أن يصل عقلنا إلي إدراك أي
وجه منطقي للمشابهة لا بشكل مباشر أو غير مباشر
ويكفينا أن نحس بالشبخ العاطفي بين الشيئين، وذلك كأن
نقول: «العصفور مثل قوس قزح» إن الذهن في مثل هذه
الصورة لا يمكن أن يصل إلي وجه حاسم للمشابهة ومن ثم
يكتفي قارئ الشعر الحديث بأن يحس بالانفعال تجاه
القصيدة.
وإذا طبقنا هذه النظرية علي أبيات
ممدوح عدوان المذكورة، نجد أننا لا يمكن إن نصل بسهولة
إلي أي وجه للمشابهة بين الحصي وبين السبحة، وهي أيضا
سبحة تخيلية لأن خيطها ليس هو الخيط الواقعي وإنما هو
الذاكرة نفسها.
كذلك الصور الأخري مثل: الحصي طمي من
يتسول ملحا.. إلخ. فمثل هذه الصور ننفعل بها دون أن
ندرك وجوه المشابهة ولاشك أن الشعر الحديث في كل أنحاء
العالم، بما في ذلك العالم العربي قد خطي خطوات قوية
إلي الأمام ولهذا لم أندهش حين وقعت أخيرا علي تنظيرات
لخورخي لويس بورخيس تنظر في الشعر علي أساس نظرية
الانفعالات بمعني أن الشعر الجيد أو الذي يعد شعرا
حقيقيا هو الذي يحس به القارئ وينفعل به. كل هذا يحدث
و«الأهرام الأدبي» لا فضت صفحته يخرج علينا يوم
الثلاثاء 21 / 12 / 2004 بحوار مع شاعر عمودي نقرأ فيه
ضمن ما نقرأ هذا الكلام «في رأيي أن شعر التفعيلة لا
يمكن أن يندرج تحت باب الشعر، لأنه لا يمكن الاستغناء
عن الأدوات الموسيقية، والاكتفاء بوتر واحد في معزوفة
موسيقية. لهذا أعتقد أن شعر التفعيلة يلفظ أنفاسه
الأخيرة لأنه لم يستطع برغم مرور خمسين عاما وبرغم
التعصب النقدي له أن ينقش ولو قصيدة واحدة في وجدان
المتلقي العربي».
نعود إلي ممدوح عدوان لأقول إن معظم ما
قرأت له من شعر ينسب إلي الشعر الرمزي وتتمثل فيه كل
الخصائص الرمزية المذكورة، وقد فضلت أن أتوقف في
البداية عند مثال واحد وأحلله بوصفه عينة
Corpus
أو نموذجا يدل علي كل النماذج الأخري وإن كان هذا
يدفعنا أيضا للإشارة إلي عدد من القصائد يمكن للقارئ
أن يرجع إليها وهي «النسر» و«الجبل» و«البحر» و«ينحني
لرنينه» و«يكتمل البدر ضحي»، و«هواجس الحوت الصحراوي»
و«تخاطر» و«قفزة في العراء»، و«يعسل التين فيك».
وكل هذه القصائد موجودة في المختارات
التي أصدرتها مكتبة الأسرة عام 2002 تحت عنوان «طفولات
مؤجلة» ولنأخذ أبياتا من قصيدة «هواجس الحوت الصحراوي»
وهي قصيدة طويلة تقع في حوالي خمس عشرة صفحة، تقول:
الغيوم التي يختفي الحوت فيها / فتحبس أمطارها/ يختفي
الموت فيها / ويملأ أرجاءها/ كلما أمسك الحوت غيما /
يصير سرابًا/ الغيوم، السراب /الغيوم التي حملت صيفها
معها/ الغيوم التي أمسكت صبرها / حبست نبضها/ فهي أن
أبرقت أحرقته/ وإن أمطرت أسقطته / وإن أرعدت مزقته».
فتأمل هذا الحوت الذي لا يعيش في
البحر، وإنما يعيش في الصحراء، وليس ذلك فحسب بل إنه
يختفي في الغيوم إنه إذن حوت كوني، ومثلما تتراسل
الحواس، أي يؤدي بعضها وظائف البعض الآخر فإن هذا
الحوت يتراسل في الأماكن يترك الماء ليعيش في الصحراء،
ويختفي في الغيوم إنه كذلك نوع من القناع الذي أجاد
استخدامه الشعراء المحدثون ففي مقابل سندباد «خليل
حاوي»، وبصَّارته «أي عرَّافته» وأقنعة «البياتي»
المختلفة مثل «عائشة» و«محيي الدين بن عربي»، و«لوركا»
وسواهم نجد الحوت هنا قناعا لممدوح عدوان ولهذا تؤلبه
الأمنيات وتشويه رمضاء الصحراء ويتذكر وحلا وموجا، وهو
أي الحوت، أو ممدوح عدوان ينهض من الرمال كما ينهض
الأمل الصعب، إنها قصيدة تحمل كل خصائص الشعر الرمزي
الحديث.
ولاشك أن التضاد يمثل أيضا خاصية مهمة
من خصائص الشعر الرمزي، وقد أجاد ممدوح عدوان توظيف
هذا التوجه في قصيدته يقول علي سبيل المثال في قصيدة
«ينحني لرنينه»: «انشري في الصمت إيقاع التواصل بيننا
/ واسترسلي لحكاية شرد التشهي حولها / وأصابعي تحكي
لجسمك دفأها/ فلكل بارحة من الجسد الشجي/ رنين شهوات
يضيق به/ لكل تناعس في الجلد كلمته / لكل برودة في
الجسم وقت رحيلها/ في خفق ترتيلي».. فهذه أبيات نجد
فيها تضادا أو تقابلا بين الصمت وإيقاع التواصل، وبين
الاسترسال والشرود، وبين البرودة والرحيل في خفق
الترتيل، وكل هذا يدل علي أن ممدوح عدوان كان شاعرا
مسكونا بالروح الرمزية التي هي في الأساس روح كونية
محلقة عبر فضاءات العالم. منطلقة من أعماق النفس،
ومحكومة بمفتاح الذهن لكي تأتي الحواس فتملأ القصيدة
بإبداعاتها المنسجمة، وهذا النوع من الشعر يحتاج إلي
قارئ من نوع خاص لديه إحساس عميق بأهمية التراسل
الكوني الذي يضفي علي القصيدة أجواء صوفية معبرة عن
نشوة الإنسان وتطلعاته. |