|
كتبت قبل بضعة أسابيع عن ثقافة الموت التي تنتشر في
المجتمعات العربية علي نحو يخرب حاضرنا ويدمر مستقبلنا
كان ذلك بمناسبة الجدل حول دفن الرئيس الراحل ياسر
عرفات وطبيعة مقبرته، «المتنقلة» وأعود اليوم إلي
الموضوع الذي يدهشني ضآلة الاهتمام به. وتعيدني إليه
سلسلة تحقيقات ميدانية بديعة كتبها حازم الأمين في
إحدي الصحف العربية عن دور بعض الجماعات السلفية
الأردنية في تزويد منظمات إرهابية تعمل في العراق
بالشباب، وعلي رأسها جماعة «أبومصعب الزرقاوي».
فقد روي، من بين ما يروي بالوقائع وعبر
لقاءات في عدة مدن أردنية أهمها الزرقاء والسلط قصصا
تشيب لها الولدان عن استعداد أعداد كبيرة من الشبان
الممسوحة عقولهم للذهاب إلي العراق ليمارسوا ما
يعتبرونه «جهادا» بينما يراه العلماء الموثوق في علمهم
تزييفا بشعا لمفهوم الجهاد.
فلا شيء في عقول هؤلاء الشاب سوي
الموت. فهم ذاهبون إما ليقتلوا من يوقعه سوء حظه في
طريقهم سواء كان عراقيا بريئا أو عربيا أو أجنبيا ذهب
يبحث عن رزقه، أو ليقتلوا «بضم الياء» فالموت هو ما
يملأ عقولهم إنه «ثقافتهم» الوحيدة التي لم يتثقفوا
بغيرها.
ولكن لو اقتصر الأمر علي هؤلاء لهان،
المصيبة هي أن ما يفعلونه يلقي قبولا وترحيبا من جمهور
يزداد عددا كل يوم. فهم في مدينة السلط مثلا، يقيمون
الأعراس لقتلاهم في العراق.
وهناك من يسمون هذه المدينة «مدينة
الشهداء» حيث قتل من أبنائها حتي أوائل ديسمبر الجاري
أكثر من عشرين شابا أثناء قتالهم مع الزرقاوي في
العراق. وهذا الرقم من مصادر في داخل المدينة نفسها،
حيث نجد من يتباهي بأنها قدمت للموت أكثر من غيرها في
الأردن وهذا رد كاف علي من يزعمون أن كل ما يحدث في
العراق مقاومة وأنه لا إرهاب ولا إرهابيين هناك.
وهكذا شباب يذهبون ليموتوا أو يموت
غيرهم بأيديهم ومجتمع يزداد من يرحبون فيه بذلك،
فتنتشر ثقافة الموت وتتكرس يوما بعد يوم فعندما يتراجع
العقل وينزوي، لا يمكن أن يحدث غير ذلك في ظروف تخلق
أساسا اجتماعيا له، بسبب الطريقة التي تدار بها الحرب
علي الإرهاب، والجموح الشديد في السياسة الأمريكية،
والظلم الذي يشعر به العرب ويولد إحباطا متزايدا ورغبة
في الانتقام الأعمي.
فالذين يذهبون للموت يظنون أنهم يفعلون
شيئا في مصلحة الأمة، بينما هم لا يخدمون إلا من يريد
لها أن تتردي في مزيد من الضعف والتخلف، فالشباب الذي
يخدم أمته بالفعل هو الذي يعمل شيئا نافعا يساهم في
تحقيق نهضتها وبالتالي في بناء قوتها الحقيقية. الشاب
الذي يخدم أمته هو الذي يعمل عملا منتجا بدءا من غرس
شجرة، ووصولا إلي الابتكار والاختراع. وهذا المنهج
الذي يبني ركائز القوة في مواجهة الأعداء إنما يعبر عن
ثقافة الحياة لا ثقافة الموت. وثقافة الحياة ضرورية
لكي يفهم شبابنا أن اختراع قنبلة يدعم قوة الأمة، أما
تحويل الجسد إلي قنبلة في عملية انتحارية أو غيرها فلا
يضيف إلي هذه القوة بل ينتقص منها.
فلتتكاتف الجهود لإنقاذ شبابنا من
ثقافة الموت التي تزحف دون ممانعة تذكر قبل أن يفوت
الأوان. ولكي نفعل ذلك علينا أن نقاوم في الوقت نفسه
ثقافة الحياة المترفة التي لا قيمة فيها ولا معني لها. |